مشروع قانون الضمان: هل كلفة القرار غداً أعلى من كلفته اليوم؟
د.رعد محمود التل
لا تزال أرقام البطالة المرتفعة تشكل
الهاجس أمام صانع القرار الاقتصادي بالرغم من كل مباردات التشغيل الوطنية التيتطلق سنوياً وكثافة الايام الوظيفية وبرامج التدريب وورش العمل، فمعدل البطالةللأردنيين 21.4% خلال الربع الثالث من عام 2025 هو بلا شك رقم مرتفع ومقلق بنفسالوقت! لكن السؤال الجوهري والذي نطرحه بصورة مبسطه، هل الخلل يكمن فيالباحثين عن العمل أم في قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل؟ أي هل يعاني سوقالعمل الاردني من مشكله في الطلب أم مشكله في العرض أم كلاهما؟
إبتداءً، يعاني سوق العمل الاردني من ضعف –بات مزمناً– في خلق الوظائف وفرصالعمل، مرد هذا الضعف هو ضعف معدلات النمو الاقتصادي خلال السنوات الاخيرةوالتي بقيت ترواح حول مستويات منخفضة غير قادرة على استيعاب ما يتدفق سنوياًمن خريجين وداخلين جدد الى سوق العمل. لكن الأهم أن حتى النمو الذي يحدث هويتركز في قطاعات “كثيفة رأس المال” وقليلة التشغيل ما يحد من أثره على التوظيفوبالتالي تخفيض أرقام البطالة. في المقابل، بقي دور القطاعات التقليدية المولدةلفرص العمل محددة مع نموها السنوي وذلك بسبب ظروف العمل البيئة التشغيليةالتي بحاجة أن تكون جاذبة أكثر للعاملين في تلك القطاعات وعلى رأسها القطاعالزراعي، طبعاً كل ذلك يعكس اختلالاً جوهرياً وكبيراً في هيكل الطلب على العمالةوالعاملين في سوق العمل!
كثيراً ما يلقى اللوم على التعليم ومخرجاته باعتباره السبب الرئيسي للبطالة، وقد يكونهناك وجهة نظر مهمة في هذا الطرح فابتعاد الجامعات عن الجانب التطبيقي العمليللكثير من التخصصات وضعف التركيز على “المهارات الناعمة” كاللغة وكتابة التقاريروالعمل الجماعي وتقديم العروض واجراء المقابلات واستخدام التطبيقاتوالبرمجيات الذكية وغيرها من المهارات ساهم ويساهم في إحداث هذه الفجوة دونأدنى شك. لأن التركيز فقط على البعد النظري الاكاديمي يخلق حالة من الجمود وابتعادعن الواقع العملي! إلا أن هذا الطرح يتجاهل جوهر المشكلة، فالفجوة بين التعليموسوق العمل ليست مستقلة عن “بنية الاقتصاد”. فالاقتصاد الذي لا يخلق طلبًا حقيقيًاعلى المهارات لا يمكنه استيعاب الخريجين مهما جرى تعديل المناهج أو تكثيف برامجالتدريب. لذلك المشكلة ليست دائماً فائض شهادات بحد ذاتها، بقدر ما هي ضعف فيالقطاعات القادرة على توظيف هذه الكفاءات ضمن وظائف منتجة ومستقرة.
كما يشكل هيكل الأجور في سوق العمل عاملا إضافيا مهماً في تعميق أزمة البطالة،بالعادة نربط في الاقتصاد بين الانتاج والاسعار والاجور، فارتفاع كلف المعيشه نسبياًيقابله جمود في مستويات الاجور في القطاعين العام والخاص، وقد يكون العديد منالوظائف المتاحة لا توفر دخلاً يتناسب مع متطلبات الحياة. هذا الواقع يدفع شريحةواسعة إلى العزوف عن العمل، أو انتظار وظيفة حكومية بدخل مشابه لكن بشروط أقل،أو الخروج من سوق العمل كليًا، ما يعني أن جزءًا من البطالة المسجلة هو “بطالةإحباط” ناتجة عن ضعف الطلب وجودته!
كما يواجه سوق العمل اختلالًا واضحًا في المنافسة بين العمالة الأردنية وغير الأردنية. قطاعات واسعة تعتمد على العمالة الوافدة بسبب انخفاض كلفتها ومرونتها الأعلى، فيظل تفاوت مستويات الالتزام بالحد الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي. وللآن لم تنجحالسياسات المتبعة في معالجة هذا الخلل بشكل متوازن، فلم تُعد هيكلة كلف العمل،ولم ترفع الطلب الحقيقي على العمالة الأردنية، ما أبقى المشكلة قائمة.
أما برامج التشغيل والتدريب، فعلى كثرتها وأهميتها، فإن أثرها يبقى محدودًا ومؤقتًا. حيث أن معظمها يركز على التشغيل المدعوم أو المؤقت المرتبط بفترات تمويلقصيرة، والقليل منها تركز على خلق وظائف دائمة داخل القطاع الخاص تحديداً. وبانتهاء البرنامج، يعود المستفيدون إلى دائرة البطالة دون تغيير جوهري في بنيةالطلب على العمل، وهو ما يفسر لماذا لا تنعكس هذه البرامج على أرقام البطالة بشكلكبير.
نقطة أخرى بغاية الأهمية، تتعلق أيضاً بمحدودية النمو وضعف الانتاج يؤثر علىالقطاع الخاص ويغدو أكثر حذراً في التوظيف مع ارتفاع الكلف، وذلك أكيد يقلل من“شهية” التوسع ورفع الطلب على العمالة، وتدفع الشركات إلى الاكتفاء بالحد الأدنىمن التوظيف أو الاتجاه نحو الأتمتة.
سيبقى السؤال الجوهري والحقيقي هو: كيف سيستطيع الاقتصاد أن يولد طلباً كافياًعلى العمل؟ وذلك قبل السؤال التقليدي: لماذا لا يقبل الشباب على العمل؟ فأزمةسوق العمل في الأردن هي في جوهرها باعتقادي مشكلة طلب لا عرض، لا يمكن حلهافقط بالمزيد من التدريب أو الارشاد الوظيفي دون تحفيز النمو وتوجيهه نحوالقطاعات كثيفة التشغيل واصلاح سياسات الاجور وكلف العمل. دون ذلك سيبقىالسؤال مطروحاً وستبقى البطالة عند مستوياتها المرتفعه مهما تنوعت المبادراتوتغيرت العناوين!.