فندق كراون بلازا البترا: خسائر متراكمة على الضمان الاجتماعي… وغياب كامل للمساءلة

د. واصل المشاقبة
لا يمكن النظر الى ملف فندق كراون بلازا البترا بوصفه مشروعاً تأخر انجازه، بل بوصفهنموذجاً صارخاً لاختلال الحوكمة في ادارة أصل عام مملوك للضمان الاجتماعي. فالمسألة لم تكن يوماً مسألة مبنى مغلق، بل مسألة قرار غائب، متابعة ضعيفة،ومسؤولية لم يمارسها أحد كما يجب.
فالاغلاق الذي امتد لأكثر من ١٤ عاماً لا يمكن تفسيره بتعثر فني عابر، بل يعكس سلسلةطويلة من القرارات المؤجلة، ضعف المتابعة، وتآكل ادوات الرقابة عبر ادارات متعاقبة. ان تعطيل منشأة سياحية بهذا الحجم، وتحت عناوين وتبريرات متكررة مثل “التطوير”و”التحديث”، أو لتعثر الشركة المنفذة، يكشف خللاً عميقاً في ادارة المال العام ويطرحاسئلة مباشرة حول من يتحمل مسؤولية هذا التعطيل وما ترتب عليه من خسائرمتراكمة.
ويظهر غياب الثبات في القرار الاستثماري بوضوح عند مراجعة تطور الرؤية للمشروع. ففي عام ٢٠١٥ طُرحت خطة لإزالة الفندق بالكامل وبناء منشأة جديدة بكلفة تقديريةبلغت ٢٥ مليون دينار، قبل التراجع عنها لصالح خيار اقل طموحاً يقوم على تحديثالمبنى القائم واعادة تأهيله ليضم ١٤٣ غرفة بتصنيف خمس نجوم، بكلفة بلغت ١٨مليون دينار. هذا الانتقال من مشروع انشائي كامل الى مشروع تحديث محدود يثيرتساؤلات مشروعة حول الأسس الفنية والاقتصادية التي بُنيت عليها هذه القرارات،ومدى الالتزام برؤية واضحة قابلة للتنفيذ ضمن جداول زمنية محددة.
ويقع فندق كراون بلازا البترا على قطعة ارض مساحتها ٦٦ دونمًا، تُقدر دائرة الأراضيقيمة المتر فيها بنحو ١٬٠٠٠ دينار، ما يضع قيمة الأرض عند حدود ٦٦ مليون دينار. وخضع الفندق لأعمال تحديث شاملة، تشمل الصيانة والتجهيزات على مساحة بناءتقارب ١٥٬٢٠٠ متر مربع، فيما تُقددر قيمة التجهيزات والاثاث وفق المعايير الفنيةلفنادق الخمس نجوم بنحو ٥٠٠ دينار للمتر، اي ما يقارب ٧٫٦ مليون دينار. وبذلك تصلالقيمة الاجمالية للأرض واعمال التحديث والتجهيزات الى نحو ٩١٫٦ مليون دينار وهواستثمار عام كبير بقي معطلاً لسنوات طويلة دون توليد اي عائد. ويجدر التنويه الى انالفندق قبل بدء اعمال التحديث كان أصلاً قائماً ذا قيمة انشائية، الا ان هذا التحليليركّز حصرياً على كلفة الفرصة البديلة للاستثمار المجمد بعد عام ٢٠١٧، دون ادخالتقديرات افتراضية لقيمة المبنى قبل التحديث لغياب بيانات منشورة وموثقة حولقيمته الدفترية او الاقتصادية آنذاك.
وبالنظر الى حجم هذا الاستثمار، كان من المتوقع ان يحقق الفندق في الظروفالتشغيلية الطبيعية عوائد سنوية تتجاوز ٣–٤ ملايين دينار. ومع الاخذ بالاعتبار الأثرالاستثنائي لجائحة كورونا خلال عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢١، حيث تراجع النشاط السياحي بشكلحاد فان احتساب كلفة الفرصة البديلة يستوجب استثناء هذين العامين من العائدالكامل. وعليه، فان تعطيل الفندق منذ عام ٢٠١٧ وحتى نهاية ٢٠٢٥ يترتب عليه خسارةتراكمية من كلفة الفرصة البديلة تُقدر بنحو ٢١–٢٨ مليون دينار، وهي خسارة تعكستعطل العائد الاستثماري خلال سنوات كان يمكن فيها للأصل ان يعمل في ظروف سوقطبيعية.
وتتضح ملامح هذا الاخفاق بشكل اكثر حدة عند مراجعة المسار الزمني للتنفيذ. فقدنص الاتفاق مع المقاول على انجاز المشروع خلال ١٨٠ يوماً، الا ان التنفيذ امتد فعلياً منعام ٢٠١٧ حتى بداية عام ٢٠٢٦، أي ما يقارب ٩ سنوات او نحو ٣٢٨٥ يوما، وهو تأخيريعادل ١٨ ضعف المدة المتفق عليها. هذا الفارق الكبير بين المخطط والمنفذ لا يمكنتفسيره بعوامل فنية اعتيادية، ولا بتحديات تنفيذية مفاجئة، بل يعكس خللاً عميقاً فيالمتابعة وتضارباً في القرار، وضعفاً في الحسم الا داري، وتراجعاً ملموساً في فاعليةالرقابة المؤسسية.
وتكمن خطورة هذا التأخير في كلفته الاقتصادية المتراكمة، وهي كلفة تتجاوز بكثير أيارقام مدرجة في الموازنة. فتعطيل الفندق طوال هذه السنوات حرم أبناء المنطقة منما يقارب ٢٠٠ فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كانت ستوفر دخلاً مستداماً لعشراتالأسر وتسهم في تثبيت النشاط الاقتصادي المحلي. كما ادى غياب الفندق عن الحركةالسياحية إلى فقدان عوائد ضريبة المبيعات الناتجة عن انفاق النزلاء والزوار، وضياعضريبة الدخل التي كان من المفترض ان يدفعها المشغل سنويا الى الخزينة، اضافة الىخسارة إرباح تشغيلية كان يمكن أن تعزز موجودات صندوق استثمار اموال الضمانوتدعم حقوق المشتركين فيه.
كما حُرمت مؤسسة الضمان الاجتماعي من اشتراكات العاملين التي كانت ستتولد عنالتشغيل المبكر للفندق وهي اشتراكات ترتبط بطبيعة وظائف مستقرة وذات اجور اعلىمقارنة بالبدائل القائمة. ورغم استمرار النشاط السياحي في المنطقة عبر منشآتأخرى، الا ان غياب فندق بهذا التصنيف ادى الى تراجع مستوى القيمة المضافةالمحلية، وانعكس سلباً على حجم ونوعية الانفاق السياحي.
ولا تقتصر الخسائر على ما سبق، اذ ادى طول فترة الاغلاق وتبدّل الخطط وتكرارالدراسات الى رفع الكلفة الاقتصادية للمشروع، ليس من خلال زيادة الانفاق الرأسماليبل عبر تضخم تكلفة الفرصة البديلة وتعطّل العائد الاستثماري المتوقع طوال سنواتالتوقف. وامتد الضرر ليشمل سلسلة القيمة السياحية بأكملها.
وما يزيد من خطورة المشهد ان المشروع لم يكن بلا اشراف اداري او مؤسسي. فقدخضع لرقابة ثلاث جهات رسمية يفترض انها تمثل اعلى مستويات الحوكمة في ادارةاصول الضمان الاجتماعي. خلال فترة الاغلاق والتحديث، تعاقب على مؤسسة الضمانالاجتماعي ١٢ رئيس مجلس ادارة بمنصب وزير عمل و٥ مديرين عامين. وفي الشركةالوطنية للتنمية السياحية، الذراع التنفيذي للمشاريع السياحية التابعة للصندوق، مر ٩رؤساء لمجلس الادارة او هيئة المديرين و٥ مديرين عامين. اما صندوق استثمار اموالالضمان الاجتماعي، الجهة الاكثر التصاقاً بالمشروع من حيث القرار والمتابعة، فقدتعاقب عليه ٨ رؤساء تنفيذيين و٥ رؤساء لمجلس ادارة الاستثمار خلال الفترة ذاتها.
وبذلك يكون اكثر من ٤٠ مسؤولاً رسمياً قد شغلوا مواقع اشراف او ادارة او رقابة علىهذا المشروع، دون ان ينجح اي منهم في كسر حلقة التعطيل او دفع المشروع نحوالانجاز. وهذا الرقم بحد ذاته لا يعكس قوة منظومة الحوكمة، بل يكشف تعطلهاوضعفها بصورة لا يمكن تجاهلها.
والى جانب كلفة التعطيل الرأسمالي، تحملت المؤسسات المعنية كلفة ادارية مستمرةطوال سنوات الاغلاق، شملت رواتب ومستحقات ومكافآت مجالس ادارات واداراتتنفيذية متعاقبة في ثلاث مؤسسات عامة من دون ان يقابل هذا الانفاق اي عائدتشغيلي من الأصل نفسه. ولا تُناقش هذه الكلفة من زاوية الرواتب بحد ذاتها بل منزاوية كفاءة تخصيص الموارد العامة، حين يستمر الانفاق الاداري في ظل غياب الأصلالمنتج والعائد الاستثماري المرتبط به. ومع الأخذ بالاعتبار تعاقب اكثر من ٤٠ مسؤولاًعلى مواقع الاشراف والقرار خلال نحو ١٤ عاماً، فان الكلفة التراكمية للرواتب والمكافاتوالمزايا الاحترافية الادارية تمثل كلفة مالية اضافية على اموال الضمان الاجتماعي، فيظل محدودية النتائج المتحققة خلال تلك الفترة، ما يفتح باباً مشروعاً للتساؤل حولجدوى هذا الانفاق.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لو كان مالك هذا الفندق احد أولئك المسؤولينالذين تعاقبوا على الاشراف والقرار، هل كان من الممكن ان يُترك المشروع معطلاً طوالهذه السنوات؟ هذا السؤال لا يستهدف شخصاً بعينه، بل يكشف حجم الخلل في ادارةالأصول العامة عندما تغيب الملكية المباشرة وتضعف معها آليات المحاسبة.
ويزداد التساؤل مع الافتتاح الذي جرى موخرا تحت رعاية دولة رئيس الوزراء الدكتورجعفر حسان، في وقت لم تكن فيه اعمال التشطيب قد اكتملت بالكامل وما تزال بعضاعمال الاستكمال الفني مستمرة داخل الفندق. هذا التوقيت يفتح نقاشاً اضافياً حولجاهزية المنشأة للتشغيل الكامل، وحول ادارة مراحل المشروع، والفصل بينالاعتبارات التشغيلية والاعتبارات الشكلية والاعلامية ذات الطابع الاستعراضي.
ان اعادة افتتاح الفندق اليوم لا تمحو أثر السنوات الضائعة، ولا تعالج الخسائرالمتراكمة، ولا تجيب عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالمساءلة. المطلوب ليسالاحتفاء بانجاز متأخر، بل مراجعة منظومة اتخاذ القرار، تحديد مكامن الخلل، وضمانعدم تكرار تجربة عطلت أصلاً عاماً لأكثر من ١٤ عاماً دون مبرر مقنع. حماية اموالالضمان الاجتماعي ليست خياراً ادارياً، بل التزام وطني وأخلاقي وقانوني، وأي اخفاق فيادارتها لا يمس مشروعاً واحداً فقط، بل يمس ثقة المواطنين بدولة القانون وبادارةالمال العام، وهي الثقة التي لا تُستعاد بالافتتاحات، بل بالمحاسبة.