خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها
العقبة الأخباري – أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض علىالمؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيمالمهنية وجودة المحتوى، في ظل تصاعد تأثير المنصات الحديثة، وفي مقدمتها «تيكتوك».
وخلال جلسة حوارية، الثلاثاء، بعنوان «اهتمامات جمهور (تيك توك) تقود صناعةالأخبار» ضمن أجندة اليوم الثاني من المنتدى السعودي للإعلام 2026، أكد الزميلمحمد هاني نائب رئيس تحرير «الشرق الأوسط»، أن الصحيفة تلعب دوراً مهماً فيتشكيل الرأي العام، وتعمل على تطوير استراتيجياتها للوصول إلى الأجيال الأصغر، منسن 14 إلى 35 سنة.
وأوضح هاني أن قابلية قراءة الأخبار لا تتراجع فقط عند جيل Z، بل تنخفض لدى جميعالأجيال، مشدداً على أهمية تقديم المحتوى بالطريقة المناسبة لتجاوز هذه المشكلة،وأضاف: «لا بد أن نكون موجودين على كل المنصات لتقديم كل المحتوى المفيدوالمهم، لأن غيابنا يترك المجال مفتوحاً للأطراف غير الموثوقة أو المحتوى التافه».
نائب رئيس تحرير «الشرق الأوسط»، أشار إلى أن المؤسسات الإعلامية تتحملمسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي، خاصة للأجيال الأصغر، التي ستشكل الجمهورالمستقبلي لهذه المؤسسات، وعرّج في هذا الإطار إلى تجربة صحيفة «واشنطنبوست» في استخدام منصات مثل «تيك توك».
وأكد هاني أن الهدف من هذه التجارب ليس المحتوى الترفيهي فحسب، بل توظيفالمنصة بطريقة تخدم دور المؤسسة الصحافية في البحث عن المعلومة، مضيفاً أن أيمحتوى صحافي جديد على المنصات الحديثة يجب أن يفهم دوره ووظيفته الأساسية،وأن يتم تقديمه وفق طبيعة الجمهور، مع احترام المنصة وطبيعة استخدام الجمهورلها.
وحول تجربة «الشرق الأوسط»، أوضح هاني أن الصحيفة تستفيد من نقاط قوتها، مثلالمحتوى السياسي الجيد، وإجراء المقابلات، والبودكاست، وإعادة تدوير هذا المحتوىعلى المنصات الجديدة، بما يحقق مشاهدات واسعة تصل أحياناً إلى الملايين، معالحفاظ على جودة المحتوى واحترام هوية الجريدة.
من جانبه، قال ظافر عبد الحق، مستشار التحرير في «بي بي سي ميديا أكشن»، إنهناك نظرة خاطئة من الأجيال الأكبر تجاه جيل Z، مشدداً على أن التنميط يمثل عائقاًحقيقياً أمام التواصل مع هذه الفئة. وأكد أن جيل Z لا يسعى إلى أن يمثله أحد، بليرفض الصور النمطية الجاهزة التي تُقدَّم عنه.
وأردف عبد الحق، أن إشراك جيل Z في الحوارات الإعلامية يعد خطوة أساسية لفهمهواحتياجاته، مشيراً إلى أن التنميط الشائع عند الحديث عن هذا الجيل وتطبيقات مثل«تيك توك» غير دقيق، وتابع أن جيل Z يستخدم أدوات التحقق من المعلومات أكثرمما يُعتقد، ويثق بالمحتوى نفسه أكثر من ثقته بالمؤسسات الكبيرة أو الأسماءالمعروفة.
وأشار ظافر إلى خطأ شائع يتمثل في الاعتقاد بأن الأجيال الأصغر لا تتلقى الأخبار عبرالمنصات الحديثة، موضحاً أنه لا توجد دراسات علمية حاسمة حول ثقافة تلقي الأخبارلدى الأجيال المختلفة، مشيراً إلى أن جيل Z يقيّم المحتوى خلال الثواني الأولى، إذيقرر الاستمرار أو التوقف بناءً على أول عشر ثوانٍ، ما يحمّل الأجيال الأكبر والمؤسساتالإعلامية مسؤولية مضاعفة لفهم هذا السلوك وبناء تواصل فعال.
بدوره، قال خوان كارلوس بلانكو، مؤسس ومدير صحيفة «دياريو لا آر»، إن منصة «تيكتوك» تمثل مزيجاً واسعاً من المعلومات، حيث يتناول المحتوى موضوعات متعددةفي سياقات مختلفة، لافتاً إلى أن المستخدم قد يطالع معلومات مصدرها صحفإلكترونية عبر هاتفه في بداية يومه.
وأوضح أن تحليل المعلومات على المنصة يشكل تحدياً كبيراً؛ نظراً لأن إعداد محتوىمعلوماتي دقيق خلال دقيقة واحدة يتطلب تحققاً معمقاً، وهو أمر يصعب تحقيقهأحياناً على «تيك توك»، مقارنة بمنصات إخبارية أخرى توفر سياقاً أوسع.
وأكد بلانكو أن المسؤولية تمثل عنصراً أساسياً في صناعة المحتوى، سواء من حيثالصور أو المواد البصرية المستخدمة، منوّهاً بضرورة الالتزام بالمعايير الإنسانيةوالمهنية في المحتوى الرقمي. وأضاف أن سرعة منصات التواصل الاجتماعي، إلىجانب انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، يزيدان من صعوبة التحقق من صحةالمعلومات قبل النشر.
وختم بالتأكيد على أن المحتوى الاحترافي، خاصة عند مخاطبة الشباب، يتطلب التزاماًصارماً بالتحقق من المعلومات، وتجنب النسخ واللصق، والتركيز على الجودةوالموثوقية، بما يعزز العلاقة بين المستخدم والمنصة والمؤسسات الإعلامية.
من جانبٍ آخر، وضمن جلسة حوارية أخرى تناولت كيف يقود المحاور الذكي الحديثويبني التواصل، شدّد الإعلامي والكاتب الصحافي داود الشريان، على أن الحوار الذييقوم على أسئلة مكتوبة سلفاً، وتُطرح بشكل متتالٍ، يفقد التفاعل ويقتل حيويةالنقاش، مؤكداً أن السؤال الجيد لا يحمل رأياً مسبقاً، بل يفتح آفاق الحديث، فيما يؤديسوء صياغته إلى إغلاق باب الحوار بدل فتحه.
وأوضح أن من مهارات المحاور ممارسة ما وصفه بـ«التغابي المهني»، عبر عدماستكمال جمل الضيف أو إظهار المعرفة المسبقة بالإجابة، لإتاحة المجال أمام الضيفللاسترسال والتفصيل. واعتبر أن الإعداد الجيد شرط أساسي لنجاح الحوار، محذراً منالتقيد بأسئلة جاهزة تحاصر النقاش وتحدّ من مساحة الضيف.
ولفت الشريان إلى أن الحرية في الحوار لا تعني التعدّي، بل تعني طرح الأسئلة التي تهمالناس، لافتاً إلى أن وجود سقف واضح للحرية يوفّر بيئة آمنة للمحاور والضيف معاً،ويسهم في إنتاج حوار مهني ناضج.
وأضاف أن الحوار موهبة فطرية لا تُكتسب بالتلقين، وأن المحاور الذكي لا يحفظالأسئلة، بل يستعد جيداً لتتولد الأسئلة تلقائياً أثناء النقاش مع الالتزام بالموضوعية.
من جانبه، قال الإعلامي عبد الله المديفر، إن التطور الحقيقي في إدارة الرواية الإعلاميةيكمن في الانتقال من محاولة احتكارها أو الرد عليها، إلى مرحلة التأثير في الوعي عبرخلق أسئلة جديدة تغيّر مسار النقاش، بدل الدوران في فلك ما تفرضه الخوارزميات.
وبيّن أن الإعلامي المبدع لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يعيد تعريف القضايا المألوفةويقدّمها بزوايا مختلفة، مشيراً إلى أن الذكاء الإعلامي يتمثل في طرح القضايا الساخنةبهدوء يسمح بمرورها مجتمعياً دون صدام غير مبرر.
المديفر زاد أن شخصية الإعلامي ووعيه هما ما يحددان مساحة حريته، فكلما كانالطرح أكثر نعومة وذكاء، اتسع الهامش المتاح. ولفت إلى أن الحرية الإعلامية هيتوازن دقيق بين الجرأة والمسؤولية، وغالباً ما يكون سقف المجتمع أكثر صرامة منسقف الحكومات.
المديفر أضاف خلال حديثه، أن الحياد لا يعني التخلي عن الرأي، بل الفصل بينالقناعات الشخصية والمهنية، مشدداً على أن إجابات الضيوف تمثل المصدر الحقيقيلصناعة السؤال الذكي.الشرق الأوسط