هل سيبقى الإعلام المحلي محلياً؟
رنا حداد
اليوم يبدو سؤال «هل سيبقى الإعلام المحلي محليًا؟» أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ليس لأن المحلية عيب بحد ذاتها، بل لأن الاكتفاء بدائرة تنافس ضيقة، محصورة فيمقارنات من قدّم برنامجًا أنجح، أو من حصد «لايكات» أكثر، يحوّل الإعلام إلى ساحةسباق داخلي لا يترك صدى يتجاوز أسوار المهنة.
المشكلة ليست في الطموح، بل في سقفه المنخفض حين يصبح الهدف هو التفوقعلى الزميل، على الموقع، على القناة، ..الخ، لا التأثير في الجمهور الأوسع في العالمقاطبة.
في الأردن، يتراكم إنتاج إعلامي متنوّع: برامج، بودكاستات، محتوى رقمي، محاولاتجادة للتجديد في الشكل والسرد. لكن كثيرًا من هذا الجهد يبقى حبيس دائرة محليةمغلقة، يتردّد صداه داخل الوسط الإعلامي أكثر مما يصل إلى الجمهور العام المحلي،فضلًا عن الجمهور العربي أو العالمي.
نحتفي ببعضنا البعض، نُقارن الأرقام فيما بيننا، ونغفل سؤالًا أبعد: ماذا أضفنا إلىالمشهد العام؟ ما القصة الأردنية التي نجحت في العبور خارج السياق المحلي؟ وأينالمحتوى القادر على أن يُشاهَد لأنه جيد، لا لأنه «منّا ولنا»؟ أين نحن من العالمية، اوحتى الاقليمية؟
اليوم التحوّل الرقمي منح الإعلام المحلي فرصة نادرة للخروج من حدوده الجغرافية. لم تعد المنصات حكرًا على المؤسسات الكبرى، ولم يعد الجمهور محصورًا في نطاقالتوزيع التقليدي. ومع ذلك، ما زالت كثير من التجارب تُصمَّم بعقلية «الداخل»،فتخاطب الوسط المهني، أكثر مما تخاطب الإنسان العادي. معيار النجاح هو عددمشاهدات أكثر من وصول وتداول كمحتوى اعلامي قادر أن يخاطب العالم ويصلنا بهويصله بنا، وكأننا ما زلنا نبحث عن البوصلة وهي جلية واضحة : الإعلام وُجد ليصل إلىالناس، لا ليُرضي غرفة الأخبار فقط.
المفارقة أن القصص الأردنية تملك مقومات العبور: تنوّع اجتماعي، تحولات اقتصادية،تجارب شبابية في الريادة، قضايا بيئية، فنون معاصرة، وحكايات إنسانية قادرة علىلمس أي متلقٍ أينما كان.
ما ينقص غالبًا هو طريقة السرد والجرأة في التفكير بمنطق عالمي: كيف نُقدّم قصتنابلغة يفهمها الخارج؟ كيف نبتعد عن القوالب المحلية الضيقة دون أن نفقد هويتنا؟وكيف ننتقل من محتوى «مادة والسلام» إلى محتوى «يتفاعل معه الجمهور لأنهصادق ومهني ومؤثر وصالح لكل مكان وزمان..صالح للانسان اينما وجد، ويقدم الوطنعلى خريطة الاعلام الدولي»؟
الخروج من عباءة المنافسات المحلية لا يعني إلغاء المقارنة أو تجاهل التقييم، بلإعادة تعريف معيار النجاح. النجاح ليس في أن يكون منتجك الاعلامي أكثر مشاهدة منمنتج زميلك هذا الأسبوع، بل في أن يخلق أثرًا ممتدًا: نقاشًا عامًا، تغييرًا في وعي، أووصولًا إلى جمهور لم يكن يفكّر بالأردن أصلًا.
النجاح الحقيقي هو حين تُقاس القيمة بالعمق والاستمرارية، لا فقط بالأرقام السريعة.
ما يحتاجه الإعلام المحلي اليوم هو جرأة إعادة التموضع: استثمار في جودة المحتوى لافي ضجيجه، لماذا لا نجرب السرد العابر للثقافات، شراكات للاعلام المحلي إقليميةودولية، وفهم أعمق لخوارزميات المنصات دون الوقوع في فخ «محتوى اللايكات».
الأردن لا ينقصه الصوت، بل يحتاج أن يرفعه بطريقة تُسمَع خارج الدائرة المعتادة.
السؤال إذًا ليس: من الأكثر مشاهدة بيننا؟ بل: أيّنا صنع أثرًا يتجاوزنا؟ الاكتفاء بصدىمحلي لم يعد خيارًا مريحًا، بل خطرًا على جدوى الإعلام نفسه.
الأردن يستحق إعلامًا يُرى ويُسمَع ويُناقَش خارج حدوده لا فقط داخل «منشوراتالمنافسة».الدستور