“الإدارة المحلية”… بين النص القانوني وروح الدولة

26

أسامة عبدالفتاح طالب

بعد تجربة متواضعة في مجلس محافظة العقبة، أصبحت أكثر قناعة بأن نجاح الإدارةالمحلية لا يبدأ من القانون، بل من الفلسفة التي يقوم عليها القانون.

فالقوانين يمكن تعديلها، والهياكل يمكن إعادة تنظيمها، أما إذا غابت الرؤية، فإن أفضلالتشريعات ستتحول إلى نصوص جميلة بلا أثر.

اليوم يقف الأردن أمام مشروع جديد لقانون الإدارة المحلية، وهو مشروع ينبغي النظرإليه باعتباره مجرد تعديل تشريعي، بل باعتباره فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولةوالمحافظات، وبين المواطن وصانع القرار المحلي.

ومن باب الإنصاف، فإن التجارب السابقة لم تكن فاشلة بالمطلق، كما أنها لم تكنناجحة بالمطلق. فقد كشفت عن مواطن قوة ينبغي البناء عليها، كما كشفت عناختلالات تستوجب المعالجة، وهذا هو جوهر الإصلاح الحقيقي.

ومن خلال ما لمسته داخل المجلس، فإن التحدي الأكبر لم يكن في الأشخاص، بل فيغياب الوضوح المؤسسي.

فمن يخطط؟

ومن يقرر؟

ومن ينفذ؟

ومن يحاسب؟

وحين تتداخل هذه الأدوار، تصبح المسؤولية ضائعة إن جاز التعبير، ويصبح النجاح أوالفشل بلا عنوان.

ولعل أهم ما يجب أن يحققه القانون الجديد هو الفصل الواضح بين التخطيط والتنفيذ والرقابة، مع منح كل جهة صلاحيات حقيقية تقابلها مساءلة حقيقية.

كما أن البلديات لم تعد مطالبة بأن تكون مجرد جهات خدمية تجمع النفايات وتعبدالطرق، بل يجب أن تتحول إلى مؤسسات تنموية قادرة على استثمار أصولها الاستثمارالأمثل، وخلق مصادر دخل مستدامة، وتخفيف الاعتماد على الدعم الحكومي.

وفي المقابل، يجب أن تبقى مجالس المحافظات صاحبة الرؤية التنموية الشاملة،القادرة على قراءة احتياجات المحافظة كوحدة متكاملة، بعيدًا عن الضغوط المناطقيةأو الاعتبارات الآنية.

ومن واقع التجربة، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الإدارة المحلية ليس ضعفالإمكانات، بل تغليب المصالح الشخصية أو المناطقية على المصلحة الوطنية.

فالموازنة ليست أرقامًا توزع لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، بل أداة لتحقيق العدالةالتنموية بين أبناء الوطن جميعًا.

كما أن العمل المؤسسي لا يمكن أن ينجح في بيئة يغيب عنها تداول المعلومات، أوتُختزل فيها القرارات في دائرة ضيقة، أو تُدار بمنطق الفرد لا بمنطق الفريق.

إن نجاح أي تجربة في الإدارة المحلية يقاس بقدرتها على بناء مؤسسات، لا أشخاص،وعلى ترسيخ ثقافة المشاركة، لا ثقافة التفرد.

ولذلك، فإن القانون الجديد يجب أن يكون قانونًا للحوكمة قبل أن يكون قانونًا للإدارة،وقانونًا للكفاءة قبل أن يكون قانونًا للانتخابات.

ولا بد أن يتضمن أدوات علمية و عملية واضحة لقياس الأداء، وربط الإنفاق بالنتائج،وتعزيز الشفافية، وتمكين المجالس من ممارسة دورها الرقابي والتنموي بصورةحقيقية.

إن الأردن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الهياكل الإدارية، بقدر ما يحتاج إلى إدارة محلية حديثة، تؤمن بأن التنمية قرار محلي، وأن المواطن شريك في صناعة الأولويات، وأن المال العام أمانة، وأن النجاح لا يقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد المشاريع التي يلمسها الناس في حياتهم.

لقد وضع جلالة الملك، ومن خلال مسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي،إطارًا واضحًا لدولة أكثر كفاءة و رشاقة، وأكثر مشاركة، وأكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

ويبقى السؤال الحقيقي:

هل سنكتفي بتغيير القانونأم سننجح في تغيير ثقافة الإدارة المحلية نفسها؟

لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وتصبح التنمية  حقًا لكل محافظة، لا امتيازًا لأحد.الرأي

قد يعجبك ايضا