القاعدة السريّة و تأزيم الداخل العراقي
د . راشد الشاشاني
الكشف عن قاعدة سريّة اقامتها اسرائيل بمعرفة الولايات المتحدة – كما أشيع – خدمة للمجهود الحربي في العملية ضد ايران ؛ لا ينفصل عن ترتيبات الداخل العراقي ،التي يوجه معها رئيس وزرائه تحديات كبيرة بتوزيع أثقال النفوذ ، بالذات النفوذالإيراني ، لا يقتصر هذا النفوذ على تحديّات الداخل ، بل يمتد الى تحديات العلاقة معالخارج ، سيّما في إطار الكشف عن امر يبدو أنه وفقا لأحد السيناريوهين أو لكليهماليس بالقليل شأنه في جانب الادارتين الأمريكية والاسرائيلية معا.
اذا أردنا توزيع خياراتنا لفهم الدافع وراء هذا التسريب ؛ نقصرها على سيناريوهين اثنين، الأول يقوم على فكرة تفيد : بأن خصوم نتنياهو ومن والاهم ، ومن يساندهم فيالولايات المتحدة ؛ يقفون وراء هذا التسريب ، لكن فكرة كهذه تبدو قاصرة مع ضعفتأثير مثل هذه التكتيكات في تحقيق نتائج معيّنة ، سيّما مع الدفع الأمريكي للعمليّة ،ونقصد العمليه المشتركه بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران ، إذا أردنا أن نوسّعهذا الفهم قليلا ، نقول : أن هناك جبهه امريكية جديدة اتّخذت من إسرائيل – كماغيرها – موقعا لهجوم أمريكي ، سنتحدث عنها لاحقا ، ربما هي من كانت سببا فيالكشف عن هذه القاعدة ، نترك هذا الى تفصيل لاحق .
السيناريو الثاني : أن جمود الملفّ الإيراني ، مدفوعا باحساس ترامب بفشل كلالمحاولات ، سواء العسكرية أو غيرها ، منها جرّ إيران إلى مكان المهزوم ، أو تحقيق نصر وهمي ؛ يمكن تسويقه داخليا وخارجيا ، أدى بترامب إلى قبوله بدفع ثمن ، وتحمّلمرارة كشف السرّ في أوان كهذا ، يوجه معه ترامب ضربة تزعزع ثقة إيران في نفسها ؛من خلال ضرب أذرعها ، سيّما على الارض العراقيّة ، بعد أن تبين أنّ إيران لم تكن علىعلم بأمر هذه القاعدة ، وإلّا لأعلنت ، ولو بطريقة غير مباشرة فيما لو اكتشفت خرقا منداخل اذرعها ، كنّا قد توصّلنا إلى نتيجة كهذه ؛ حين فصّلنا موضوع إسقاط طائرةبالقرب من جزيرة خارك .
مع تسريب كهذا تجد إيران أنّ درعا من دروعها – ربما الأهم حتى الان العراق – ، أوظهرها ، قد تسلّل اليه الاختراق ، سيّما أنّ القاعدة – وفقا لما تسرّب – كانت في منطقةينبغي أن تكون قريبة من مناطق تمركز الحشد الشعبي الموالي لإيران ، والذي يعدّ جزءامن المؤسسة العسكرية الرسميّة وياتمر بأمرها ؛ وسط تساؤل جدّي حول غياب هذهالمؤسسة ، وما تحتويه استخباراتها ، عن عمليات نقل المعدّات اللازمة لبناء قاعدةكهذه ، الأمر الذي يعني حكماً : أن هناك اختراق امريكي إسرائيلي داخل مؤسساتالدولة ؛ كان من شأنه فرض غطاء “ أكثر من عسكري “ على مثل هذه القاعدة وربماغيرها ، يأتي هذا في ذات توقيت إعلان الجيش الإسرائيلي الاخير ؛ عن تنفيذ عمليات فيشمال نهر الليطاني في لبنان ، غنيٌ عن البيان أن عمليات إسرائيل في لبنان ، لا تغيب عنتنسيق مع الولايات المتحدة .
مثل هذا السيناريو الأخير ، وفي حال تم الإقرار بأن ترامب كان يقف وراء العملية ؛ واضطرّ إلى دفع هذا الثمن الذي يمثّل بالضرورة : أنّ ترامب قرّر التضحية بجزء من ثقلنتنياهو ، هذا يؤكّد ما قلناه سابقا : بأنّ نتنياهو لا يعني لترامب سوى أنّه أداة توزيع أثقال؛ يحرّكها حين يحتاج وزناً ما في منطقة او مرحلة معينة ، وما أن تنتهي المهمّة حتىيعيدها إلى مخزن الإحتياط .
في جهة أخرى : يزداد المشهد تعقيداً في مهمّة رئيس الوزراء العراقي المكلّف ، الذيضمّه ترامب – فيما لو انتهينا الى تصوّر السيناريو الثاني – إلى قيمة الثمن المُضحّى بهحكما حين عرّض منصبه هذا الى تحدٍّ ربّما يفوق جميع التحدّيات التي رافقت تكليفه ،نحن نقصد تحدّيا في مواجهة البحث عن مواطن التسلّل في مؤسسات الدولة الرسميه، و بالذات العسكرية منها ؛ ما يعني بالضرورة صداماً محتوما معها ومع مكوناتالهيمنة عليها ، هذا من جهة ، من جهة ثانية : يعني هذا بالضرورة أنّ إيران سوف ترفعمن نسبةحذرها باتجاه أرض العراق ؛ وهو ما يعني إعادة تشكيلاتها وتموضعها فيالأرض ، ناهيك عمّا يحمله هذا من اتهام غير مباشر ، وربّما يكون مباشراً للحكومةالسابقة ؛ التي غفلت أو تعمّدت تجاهل مثل هذا الأمر ، سيّما مع ظروف اكتنفت عمليةاكتشاف القاعدة ، ومقتل المبلّغ عنها .
خطوة كهذه : في السيناريو الاول تضمن تشتيت سيطرة ترامب على المشهد ، بالذاتفي العراق ؛ بهذا تكون ساحات المجابهة التي ينبغي على ترامب مجابهتها قد توسّعتفي غفلة منه . أمّا السيناريو الثاني : فيعني أنّ ترامب ضَمِن عدم قدرة رئيس وزراءالعراق الجديد على تشكيل ائتلافٍ داعمٍ ؛ يمكن معه اللعب على الحبال ، والتلوّن بألوانالمواقف ، ومراوغة رغبات ترامب بما يضيّع زمن لحظات حسمه .
لن نعلن نتيجة المفاضلة بين الخيارين السابقين – برغم توصّلنا إليها – لكنّنا نجزم – كما فعلنا سابقا – أنّ هناك فشلاّ عسكريّاً أمريكيّاً إسرائيليّاً كبيراً جدّاً ؛ يدفع ترامب إلىالتفكير ألف مرّةٍ قبل البدء بعمليّة حاسمة سريعة ، لكن مع هذا كلّه لم تستفد إيران منفشلٍ كهذا ؛ باعتبار أن القيادة فيها تفتقر إلى الكثير من طباع العسكرة .