الأردن: : نموذج متكامل للاستثمار في ترابط المياه–الطاقة–الغذاء
المهندسة ميسون الزعبي
في ضوء التوجهات الحكومية الحديثة، يقدّم الأردن نموذجاً متقدماً للتخطيط الشموليللتنمية المستدامة، يرتكز على ترابط قطاعات المياه والطاقة والغذاء، وتعظيم كفاءةاستخدام الموارد. ويشكّل هذا النهج منصة استراتيجية جاذبة للاستثمار التنموي، إذيجمع بين الأثر التنموي الملموس والجدوى الاقتصادية طويلة الأمد.
وقد أكّد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، خلال لقاءاته وتصريحاته في الربع الأولمن عام 2026، أولوية الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ العملي تحت شعار “الأردنيواصل الإنجاز”، من خلال إطلاق حزمة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تفتحآفاقاً واسعة للشراكة مع المانحين والمؤسسات التمويلية الدولية.
وتوفّر هذه المشاريع فرصاً نوعية لتعبئة التمويل الميسر والمختلط، وتعزيز الاستثمارفي البنية التحتية المرنة، ودعم الابتكار في إدارة الموارد. ومن شأن ذلك تحقيق نتائجقابلة للقياس، تشمل تحسين الأمن المائي والغذائي، والحد من المخاطر المناخية،وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كما يوفّر هذاالنهج إطاراً قابلاً للتوسع والتكرار، ما يعزّز جاذبيته كنموذج للاستثمار المؤثر علىمستوى المنطقة.
وتتجلى هذه الرؤية عملياً في إطلاق مشاريع سيادية محورية، أبرزها مشروع الناقلالوطني للمياه ومشروع سكة حديد ميناء العقبة، اللذان يشكلان ركيزة أساسية لتعزيزالترابط بين القطاعات. فمشروع الناقل الوطني لا يقتصر على توفير نحو 300 مليون مترمكعب من المياه سنوياً، بل يُمثّل تحولاً هيكلياً في إدارة الموارد المائية من خلال الحدمن الاستنزاف الجوفي، وتحسين كفاءة التزويد، وخفض الكلف التشغيلية، لا سيما عنددمجه مع مصادر الطاقة المتجددة. كما يدعم المشروع الإنتاج الزراعي ويعزز الأمنالغذائي، بما يحقق أثراً تنموياً متكاملاً ومستداماً.
وفي السياق ذاته، يجسّد مشروع سكة الحديد توجهاً استراتيجياً نحو تطوير منظومةنقل حديثة ومتكاملة، تُحسّن كفاءة سلاسل الإمداد وتخفض كلف النقل، بما يعززتنافسية القطاعات الإنتاجية، خاصة التعدين والزراعة والتجارة. كما يسهم في ترسيخالترابط بين الإنتاج الغذائي والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، بما يدعم نموالاقتصاد الوطني واستجابته لمتطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.
ويبرز هذا النموذج كذلك من خلال تبنّي سياسات متكاملة تعزّز الأمن الاستراتيجي فيقطاعات المياه والطاقة والغذاء. ففي قطاع المياه، يجري التوسع في مشاريع التحليةوإعادة الاستخدام لضمان الاستدامة. وفي قطاع الطاقة، يتواصل الاعتماد على مصادرالطاقة المتجددة لخفض الكلف وتعزيز الاعتماد على الذات. أما في قطاع الغذاء، فيتمدعم الزراعة الذكية مناخياً وتحسين كفاءة أنظمة الري لزيادة الإنتاج وتعزيز الاستدامة. وتندرج هذه الجهود ضمن إطار رؤية التحديث الاقتصادي 2033، التي تضع النموالمستدام وكفاءة استخدام الموارد في صميم أولوياتها.
ويُعد تعزيز الاستدامة المالية، لا سيما في قطاع المياه، ركيزة أساسية في هذا النهج،من خلال رفع كفاءة التشغيل والحد من الفاقد المائي بشقيه الفني والإداري، بما يزيدالإيرادات دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. كما يسهم تحسين كفاءة الشبكات فيخفض كلفة إنتاج وتوزيع المياه، والحد من الحاجة إلى رفع التعرفة، مع فتح المجالمستقبلاً لتحسينها بشكل تدريجي ومدروس.
كما يُجسّد التوسع في استخدام الطاقة المتجددة لتشغيل محطات الضخ والتحليةنموذجاً عملياً لترابط قطاعي المياه والطاقة، من خلال خفض الكلف التشغيلية وتقليلالاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، بما يعزز الاستدامة البيئية واستقرار التعرفة علىالمدى الطويل.
ويمتد هذا التكامل ليشمل التحول الرقمي، بوصفه أداة محورية لتحسين إدارة المواردوالخدمات، وتمكين اتخاذ القرار المبني على البيانات، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسيوجودة الخدمات. ويتكامل ذلك مع الاستثمار في رأس المال البشري، باعتباره أساسبناء مؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة التحديات.
وفي إطار الحفاظ على الموارد، يتبنى الأردن نهجاً متقدماً نحو الاقتصاد الأخضر، منخلال رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة، والحد من الهدر، وتعزيز أنماط الإنتاجالمستدام، بما يدعم استدامة الموارد الطبيعية ويصون حقوق الأجيال القادمة.
خلاصة القول، يعكس هذا النموذج التنموي انتقال الأردن نحو منظومة متكاملة تربطبين المياه والطاقة والغذاء، وتوازن بين الاستدامة الاقتصادية وحماية الموارد، معالتركيز على تحسين كفاءة الخدمات وتخفيف الأعباء عن المواطنين. ومع تقدم هذاالنهج، يُتوقع تعميق هذا الترابط ليشمل قطاعات حيوية أخرى، مثل التعليم والصحةوالسياحة وسوق العمل، بما يعزز تكامل السياسات العامة، ويرتقي بكفاءة رأس المالالبشري، ويدعم خلق فرص اقتصادية مستدامة وشاملة.