هل صار التكيف مع بطالة مرتفعة بديلا عن الحل؟

6

أخطر ما في ملف البطالة في الأردن ليس فقط بقاء معدلاتها عند مستويات مرتفعة، بلاحتمال أن يتحول هذا الواقع إلى حالة اعتياد عام لدى الاقتصاد والمجتمع والحكومة. حين يحدث ذلك، يصبح الانخفاض الطفيف في المؤشرات مادة للطمأنة، بدل أن يكونجرس إنذار يدفع إلى مراجعة جذرية.

 مشكلة التكيّف مع البطالة المرتفعة قد تبدو مريحة للبعض، لكنه تكيّف مؤقت وغيرمستدام، ويحمل في داخله مخاطر اجتماعية واقتصادية وسياسية لا يمكن الاستهانةبها

المؤشرات التي صدرت الأسبوع الماضي عن دائرة الإحصاءات العامة تعطي مثالاًواضحاً على ذلك، فقد انخفض معدل البطالة لإجمالي السكان في المملكة إلى 16.1 بالمائة في الربع الأول من عام 2026، بانخفاض نصف نقطة مئوية عن الربع الأول منعام 2025، وبانخفاض 2.3 نقطة مئوية خلال أربعة أعوام مقارنة بالربع الأول من عام2022. في ذات الوقت الذي تراجعت فيه بين الأردنيين بمقدار 1.7 نقطة مئوية خلالالأعوام الأربعة الماضية. هذه الأرقام تشير إلى تحسن، لكنها لا تشير إلى اختراق حقيقيفي سوق العمل

المشكلة أن هذا التراجع المحدود قد يُستخدم لتبرير استمرار السياسات نفسها، رغمأن التجربة أثبتت ضعف فعاليتها. فإذا كانت البطالة بين الأردنيين لم تنخفض خلالأربع سنوات إلا بهذه الوتيرة البطيئة، رغم تعدد البرامج والمبادرات والخطط، فمنالطبيعي أن نسأل: لماذا لم تنجح؟ ولماذا بقي الأثر محصوراً في تحسن محدود، بينمابقيت الأزمة على حالها؟

الجواب، في جانب كبير منه، أن المقاربة السابقة عالجت البطالة كملف جزئي، لاكقضية ترتبط ببنية الاقتصاد كله. جرى التعويل لسنوات على تشجيع الاستثمار المحليوالعربي والأجنبي، مع تقديم تنازلات ضمنية أو صريحة في الحمايات الاجتماعيةالمرتبطة بالعمل، وعلى رأسها القبول بسياسات الأجور المنخفضة. لكن النتيجة باتتواضحة، هذه المقاربة لم تُحدث توسعاً كافياً في الاستثمار المنتج، ولم تولّد فرصعمل جديدة بالعدد والنوعية المطلوبين، ولم تدفع البطالة إلى مسار هبوط جديومستدام. في المقابل، ساهم جانب منها في تراكم الثروات وتعميق التفاوتالاجتماعي، لأن ضعف الأجور وهشاشة العمل لا يصنعان اقتصاداً أكثر عدالة ولا أكثرقدرة على التشغيل

لهذا لم يعد كافياً الاستمرار في تدوير الأدوات نفسها. والمطلوب سياسة تشغيلمتكاملة تستفيد من التجارب السابقة، وتبدأ من التعليم منذ مراحله الأولى، مروراًبالتعليم المهني والتقني والمتوسط، وصولاً إلى الجامعي. والأهم أن يعاد النظر فيمضمون التعليم والتدريب، لا في شكلهما فقط، بحيث يصبحان مرتبطين فعلاً بحاجاتالاقتصاد وفرص العمل الممكنة. كما يجب أن تشمل هذه السياسة معايير العملنفسها، بحيث يكون الهدف خلق وظائف كافية ولائقة وكريمة وأجور كافية لحياةكريمة، وليس لعمالة فقيرة، لا مجرد أعمال منخفضة الأجر وضعيفة الحماية.

البطالة ليست رقماً في تقرير إحصائي، بل مؤشر على كفاءة وعدالة النموذج التنمويالمعمول به والنمو الاقتصادي القائم. وعندما تبقى البطالة مرتفعة بين الأردنيين، فإنذلك يعني أن الخلل أعمق من أن يُعالج بمبادرة هنا أو برنامج هناك. والمطلوب اليومليس الاحتفاء بانخفاض محدود، بل الاعتراف بأن سياسة التشغيل القديمة استنفدتأغراضها. أما الاستمرار في النهج نفسه، فلن يعني سوى شيء واحد، أن نبقى ندور حولأنفسنا، بينما تكبر كلفة التأجيل على المجتمع والدولة معاً.الغد

قد يعجبك ايضا