نحو إدارة موحدة لحوض اليرموك: دراسة أردنية سورية شاملة
المهندسة ميسون الزعبي
يمثل إطلاق مشروع تحديث الدراسة المرجعية الهيدروسياسية لحوض نهر اليرموكمن قبل الأردن وسوريا في أبريل 2026 خطوة استراتيجية محورية نحو تعزيز الإدارةالمشتركة للموارد المائية، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة المياه والتغيراتالمناخية في المنطقة.
ويأتي هذا المشروع بدعم دولي، لا سيما من المبادرات السويسرية، مبادرة السلامالأزرق الممولة من الوكاله السويسرية للتنمية ليؤسس لمرحلة جديدة من التعاونالفني والمؤسسي بين البلدين.
تكمن أهمية هذا المشروع في كونه يتجاوز الإطار الفني التقليدي للدراسات المائية،ليشكل أداة استراتيجية متكاملة تدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتعزز مفهومالإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، من خلال توحيد البيانات الهيدرولوجية،وتحسين دقة القياسات، وتطوير نماذج تنبؤية للتعامل مع سيناريوهات الجفافوالتغير المناخي.
كما يمثل حوض نهر اليرموك نموذجًا حيويًا لاختبار نجاح التعاون الثنائي؛ إذ إن الإدارةالعادلة والمستدامة لهذا المورد المشترك يمكن أن تشكل حافزًا لتوسيع التعاونليشمل قطاعات أخرى كـالطاقة والتجارة والبنية التحتية. وفي هذا السياق، يعكستوقيت إطلاق المشروع رسالة سياسية واضحة مفادها رغبة عمّان ودمشق في تجاوزتحديات الماضي، وإعادة تفعيل الاتفاقيات المشتركة، خصوصًا بعد المتغيراتالإقليمية التي شهدتها سوريا في أواخر عام 2024.
وتبرز أهمية المشروع أيضًا في سعيه إلى معالجة الاختلالات القائمة في توزيع المياه، لاسيما في ما يتعلق بتراجع تدفقات النهر إلى سد الوحدة، نتيجة التوسع في إنشاءالسدود والآبار غير المرخصة في الجزء السوري من الحوض، والذي يشكل نحو 70% من مساحته. ومن هنا، تركز الدراسة على تعزيز آليات المراقبة، وضمان الالتزامبالاتفاقيات السابقة، مثل اتفاقيتي 1953 و1987، بما يكفل حماية الحقوق المائية لكلاالطرفين.
علاوة على ذلك، يسهم المشروع في تعزيز الشفافية وتبادل البيانات الفنية من خلالتركيب أنظمة قياس حديثة، وتطوير قاعدة بيانات موحدة، مما يقلل من فجواتالمعلومات ويحد من النزاعات المرتبطة بتقدير الحصص المائية. كما يدعم بناءالقدرات المؤسسية عبر تدريب الكوادر الوطنية وتعزيز البحث العلمي المشترك، بمايرسخ نهجًا قائمًا على المعرفة والتخطيط طويل الأمد.
وفي إطار مواجهة التغير المناخي، يوفر تحديث المرجعية أدوات تحليلية متقدمةلتقييم تأثير انخفاض معدلات الهطول وزيادة التبخر، بما يمكن صناع القرار من تبنيسياسات استباقية بدلاً من الاعتماد على ردود الفعل الآنية. كما يفتح المجال أمام تبنيحلول غير تقليدية، مثل مشاريع الاستمطار وإعادة توزيع الموارد المائية في واديالأردن.
ويؤدي مركز دبلوماسية المياه دورًا مهمًا في دعم هذا التوجه، من خلال توفير منصةللتعاون العلمي والفني، وتعزيز مقاربات الدبلوماسية المائية كأداة لحل النزاعات وبناءالشراكات المستدامة.
في المحصلة، تمثل هذه المرجعية الهيدروسياسية “حجر الزاوية” في تحويل حوضنهر اليرموك من منطقة نزاع إلى نموذج للتعاون الإقليمي، حيث توفر إطارًا علميًاوقانونيًا يعزز الاستدامة، ويدعم الأمن المائي، ويؤسس لشراكة استراتيجية طويلة الأمدبين الأردن وسوريا. وبذلك، يمكن اعتبارها “بوصلة” توجه إدارة الموارد المائية نحوتحقيق العدالة والكفاءة، بما يحفظ الحقوق التاريخية ويؤمن الاحتياجات المستقبلية.