ما بعد وحدة الساحات: مشروع عزل إيران

14

د.عامر سبايلة

لم تعد المسألة تتعلق فقط بضرب نموذج “وحدة الساحات”، بل بما تلا ذلك منانتقال مدروس نحو استهداف مركز هذا النموذج: إيران نفسها. فعملية تقطيعالساحات، التي امتدت على مدار السنتين والنصف الماضيتين، لم تكن مجرد تفكيكعسكري للجبهات المرتبطة بطهران، بل مسارًا انتهى إلى فرض مواجهة داخل العمقالإيراني، ونقل الاشتباك من الأطراف إلى المركز، بما حمل دلالة واضحة على أن الهدفتجاوز إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل معادلاته.

إيران، التي بنت جزءًا أساسيًا من قوتها على توظيف الجغرافيا المحاذية لإسرائيل، وعلىإدارة نفوذها عبر العراق واليمن ولبنان، وجدت نفسها أمام واقع مختلف. فمنذ مقتلإبراهيم رئيسي، بدا أن مسار الضغط يتصاعد تدريجيًا، من الاغتيالات والتصفيات، إلىضرب الحلفاء والوكلاء، وصولًا إلى حرب الأربعين يومًا، التي تجاوزت استهداف القدراتالعسكرية لتطال رمزية النظام، ومفاصل بنيته الأمنية والدفاعية، والبنية التحتية، بماأوحى أن الهدف لم يعد الاحتواء فقط، بل إعادة تشكيل موقع إيران نفسه داخلالإقليم، وتقليص قدرتها على استخدام أدوات الردع التي بنت عليها إستراتيجيتهالعقود.

في هذا السياق، لم تكن المفاوضات منفصلة عن معادلة الضغط. فتهديد الرئيسترامب بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، ثم الحصار البحري على موانئها، والتهديدبمعاقبة البنوك المتعاملة معها، بما فيها الصينية، كلها أدوات بدت جزءًا من فرضشروط جديدة على طهران. وحتى إن لم تتبلور صورة نصر حاسم، فإن المؤشرات تشيرإلى أن التغيير يجري فرضه تدريجيًا، سواء في الملف النووي، أو مضيق هرمز، أوسياسات الوكلاء، أو القدرات الصاروخية، بما يعكس انتقال الضغط من الردع إلى إعادةصياغة السلوك الإيراني، وليس فقط احتواءه. لكن التحول الأهم لم يكن في إيرانوحدها، بل في ما رافق ذلك من إعادة هندسة العلاقة بين الجبهات. وهنا تظهر دلالةالفصل الأميركي المتعمد بين إيران ولبنان. فإصرار واشنطن على عدم ربط التهدئة معإيران بوقف إطلاق النار في لبنان، لم يكن تفصيلًا، بل تعبيرًا عن إستراتيجية تقوم علىفصل الجبهات سياسيًا بعد تقطيعها عسكريًا، بما يمنع إعادة إنتاج الترابط الذي شكلجوهر إستراتيجية إيران الإقليمية

لبنان هنا يبدو النموذج الأوضح. فالإصرار الأميركي على تمرير وقف إطلاق النار عبرالدولة اللبنانية، وربطه بمسار سياسي يتجاوز منطق الاشتباك، يعكس اتجاهًا للتعاملمع نفوذ إيران عبر الدولة اللبنانية، لا عبر طهران. وهذه ليست مجرد إدارة أزمة، بلبداية عزل سياسي لإيران عن إحدى أهم ساحات نفوذها، وربما النموذج القابل للتكرارفي ساحات أخرى، والذي طُبق بصيغة مشابهة في غزة عبر فكرة مرجعية “مجلسالسلام”. المسألة، بهذا المعنى، لم تعد احتواءً عسكريًا لإيران، بل تجريدًا تدريجيًالأوراق نفوذها الإقليمي. وهذا ما يفسر الربط بين هذا المسار، وبين إعادة تفعيل ملفالسلام الإقليمي. فما يجري لا يبدو منفصلًا عن رؤية أميركية أوسع لإعادة ترتيبالإقليم، تبدأ بعزل إيران، ولا تنتهي عند الدفع بملفات التسوية، بما فيها احتمال تحريكالمسار اللبناني الإسرائيلي.

أما داخل إيران، فقد تكون المرحلة الأصعب لم تبدأ بعد. لأن ما بعد الحرب لا يبدو أقلخطورة من الحرب نفسها. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة الضغوط الخارجية، بل فيإدارة واقع داخلي يزداد هشاشة، في ظل اختراقات أمنية، وضغوط اقتصادية،واحتمالات تحولات داخلية قد تجعل التهديد الحقيقي أمام النظام ليس ما فرضتهالحرب، بل ما قد تفرضه نتائجها.

لهذا، ما يجري يتجاوز فكرة احتواء إيران، إلى محاولة إعادة تعريف دورها، وعزلهاسياسيًا عن الإقليم، تمهيدًا لإعادة هندسة توازناته من جديد. وهذا، ربما، هو جوهرالمرحلة، بل بداية انتقال إستراتيجي قد يعيد رسم شكل الإقليم كله: من الاحتواءالعسكري إلى العزل السياسي.الغد

قد يعجبك ايضا