حين تنقلب المدن الذكية على نفسها

8

أحمد الفرحان أبو هزيم

لم تعد المدن تقيّم اليوم بكفاءتها في السلم فقط، بل بقدرتها على البقاء، حين يتماستهداف بنيتها من الداخل قبل الخارج.

في السنوات الأخيرة، اتجهت الدول بوتيرة متسارعة، إلى تحويل مدنها وخصوصاالعواصم إلى مدن ذكية بقصد مواكبة الحداثة، ورفع الكفاءة، وتحسين جودة الحياة،وتقليل الهدر، وتعزيز القدرة على إدارة الموارد والخدمات. وبدا هذا التحول وكأنه ذروةما وصلت إليه الحضارة، نحو مدن تفكر، تستجيب، وتتنبأ قبل وقوع الخلل، وتختصرالجهد والموارد.

لكن ما كشفته الحروب الأخيرة كان مختلفًا تمامًا. ففي لحظة اختبار حقيقية، لم تظهركفاءة هذه المدن بقدر ما انكشفت هشاشتها. فقد أظهرت بنية الذكاء الاصطناعيوالأنظمة المترابطة وجهًا آخر؛ إذ تحولت بعض عناصر «الذكاء» إلى نقاط ضعف،وأصبحت البنية الرقمية، التي صُممت لضمان الاستقرار، عرضة للتعطيل أو الاستغلالبوسائل أقل كلفة من المواجهة التقليدية.

وفي بعض الحالات، لم يقتصر الأمر على التعطيل، بل بدا وكأن المدينة نفسها قدانقلبت على منظوماتها القيادية؛ إذ أتاح الترابط العميق وتدفق البيانات الوصول إلىمعلومات شديدة الحساسية تتعلق بحركة القيادات، ومواقعها، بل وبمخازن السلاحوالذخائر، ما جعل هذه الأهداف أكثر عرضة للاستهداف الدقيق. كما امتد أثر الهجماتالسيبرانية إلى تعطيل مصانع ومنشآت حيوية، وشل أجزاء من الشبكات الأساسية، دونحاجة إلى مواجهة مباشرة.

ولعل ما شهدته بعض الساحات مؤخرًا يعكس ذلك بوضوح؛ حيث سبقت الضرباتِالميدانية موجاتُ تعطيل رقمية أربكت الاتصال، وقطعت التنسيق، وكشفت أنماطالحركة، لتأتي بعدها الضربات أكثر دقة وأقل كلفة.

بالتأكيد؛ ان المشكلة لم تكن في التقنية ذاتها، بل في طريقة توظيفها. فالاعتماد المفرطعلى الأنظمة المركزية جعل من بعض المدن أشبه بجسم واحد؛ وإصابة مَرْكَزه تعنيشلل أطرافه. كما أن الترابط العميق بين الخدمات خلق قابلية لانهيارات متسلسلة،حيث يمكن لخلل محدود أن يمتد ليعطل منظومات كاملة.

أما الانكشاف السيبراني، فقد فتح الباب أمام اختراقات معادية قادرة على إحداث أثريوازي الضربات العسكرية، بل يتفوق عليها أحيانًا. ويُضاف إلى ذلك تآكل القدرة علىالتشغيل اليدوي، والاعتماد على سلاسل إمداد خارجية، ووجود كم هائل من البياناتالتي يمكن إن سقطت في الأيدي الخطأ، أن تتحول إلى أداة توجيه دقيقة ضد المدينةنفسها.

وفي هذا السياق، قد تتحول الشفافية، التي تُبنى عليها كفاءة الأنظمة الذكية، في زمنالحرب إلى نافذة مفتوحة تتيح للخصم قراءة تفاصيل المدينة وتحديد نقاط ضعفها،لتصبح كنز معلومات يُستغل لاستهدافها بدقة أعلى.

وهنا تتبدل الصورة، فالمدينة التي صُممت لتكون الأذكى قد تصبح الأكثر عرضةللارتباك حين تُسحب منها افتراضات الاستقرار التي بُنيت عليها.

فما بين مركزية التحكُّم، والترابط المفرط، والانكشاف السيبراني، والاعتماد على الطاقةوالاتصالات والأنظمة الفضائية، وتضخم البيانات، وغياب البدائل، تتشكل منظومة قدتبدو شديدة الكفاءة في السلم، لكنها قابلة للاختلال السريع في زمن الصراع.

غير أن هذا لا يعني التراجع عن مسار التحديث، بل إعادة ضبطه. فالتجربة تشير إلى أنالذكاء الحقيقي للمدن لا يكمن في تعقيد أنظمتها، بل في قدرتها على الصمود عندالتعطل. ولعل الإجابة لا تكمن في مزيد من التعقيد، بل في مرونة المدن، وهو ماسنعود إليه إن شاء الله.

وفي النهاية، فإن جودة المدن لا تقاس في زمن السلم فقط، بل بقدرتها على البقاءفاعلة حين تختفي الشروط التي صُممت على أساسها وخصوصا في الأزمات. وهناتحديدًا، يظهر الفرق بين مدينة ذكية تزدهر، ومدينة يضعفها ذكاؤها عند الاختبار.الرأي

قد يعجبك ايضا