الفضاء الإعلامي من احتكار النخبة إلى تواريها
إبراهيم حسن القاضي
كان لدى بعض الكتّاب الغربيين نهجٌ تمثّل في تأليف الكتب لمخاطبة النخبة حصرا، واتّبعوا لذلك وسيلةَ الكتابةِ باللاتينية دون اللغات الأوروبية الدارجة؛ لأن معرفة اللاتينية المنقرضة كانت حكرا على طبقة عالية تتكون من رجال الدين والنبلاء وأهل السياسة والأدب، وبذلك يكون هؤلاء الكتّاب قد ضمنوا أن كتبهم لن تكون إلا في أيدي طبقة نخبوية.
بهذه الطريقة كتب جون لوك «رسالة في التسامح»، وديكارت «تأملات في الفلسفة الأولى»، وتوماس هوبز كتابه المهم في العلوم السياسية «اللفياثان»، فضلا عما سطره سبينوزا من أعمال فكرية مثل «رسالة في اللاهوت والسياسة». وقد أتاح هذا الأسلوب للكاتب إمكانيةَ تجاوز مقصّ الرقيب من جهة، فضلًا عن تفادي صخب العامة ضد كل فكرة جديدة وجريئة من جهة أخرى، كان هذا يومَ لم يكن الكتّاب فيه مشغولين بامتطاء الترند، ولا بمراعاةِ ذوق المتابعين، ولا بمتابعةِ عدد مرات الظهور في البحث.
وقد نجد أحيانا في تاريخ الفكر البشري محاولات للمزج بين الخطابين، الخطاب الموجه للنخبة ونظيره الموجه للعامة كالتجربة التي نراها في تراثنا العربي عند ابن المقفّع مترجم كليلة ودمنة الذي تجاوز مهمة المترجم في كتابه الذي جمع فيه بين المضمون النخبوي والشكل الشعبي البسيط الذي يروق للعامة، حتى قيل عن كتابه: «إن في ظاهره لهوا للعامة وفي باطنه سياسةً للخاصة». ولا نجد من أمثال هذا الكتاب إلا النزر اليسير. ولعلنا نقف على كلام مقارب له ورد في كتاب “العمدة” لابن رشيق منسوبا إلى أبي عبد الله وزير المهدي: خير الشعر ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة. فالمزج بين النخبوي والشعبي يعدّ هنا مزية للنص/ المحتوى، تجعله يتقدم على سواه.
واستطرادا في الموضوع فإننا نجد في زمن الحداثة والإعلام التقليدي أن النخبة قد حافظت على مكانتها المميّزة؛ لأن وسائل الإعلام التقليدية كانت تحرص على استقطاب المميّزين من المفكرين والكتّاب، وكان بالإمكان التمييز بسهولة بين صحافة موضوعية رصينة وبين صحافة صفراء ذات محتوى رث تنشغل بمتابعة الفضائح واختلاقها في حال عدم وجودها.
غير أن عصر العولمة، الذي شهد انتشار وسائل التواصل وشيوع ثقافة الصورة وبروز ظاهرة صنّاع المحتوى وإتاحة إمكانية التصدّر الإعلامي للجميع، قد أدّى بالكتّاب إلى أن يجدوا أنفسهم في تحدٍّ عسير؛ إذ ارتقى غالبا في الفضاء العام المحتوى السطحي والتافه مقابل ضآلة وجود المحتوى القيّم، وحُشر النخبويّون في الزاوية، وراح بعضهم يتقوقع على نفسه حين رأى تهافت الجماهير على ما يمثّلها في الفكر من صنّاع المحتوى البسيط والسريع والخالي من العمق الفكري. فيما حاول آخرون مجاراة “الترند” والخوض في كل المسائل المطروحة بأسلوب شعبوي يضمن رفع عداد التفاعلات ولو على حساب نخبوية صاحبه ورصانة محتواه.
هذه الحالة أدت لشيوع شكوى كثير من النخب من عزوف الجماهير عن محتواهم مقابل الانكباب على كل سطحي ومبتذل، وأعادت طرح السؤال الجدلي: هل هو ذنب النخب المتقوقعة على ذاتها والمتحصنة في بروجها العاجية؟ أم هو ذنب الجماهير ذات المستوى الثقافي المحدود التي لا تريد إرهاق ذهنها بمتابعة خطابات فكرية جافة، ذات لغة علمية صارمة؟
وأيًّا يكن من شيء فإن شروط المرحلة قد اختلفت عن كل حقبة سابقة، فالفضاء العام أصبح منفتحا للجميع وتخلص من احتكار النخبة ووسائل الإعلام التقليدية، ما أدى لتصدر مؤثرين وصناع محتوى يقدمون مضمونا بسيطا أو لا يقدمون شيئا سوى استعراض جانب من يومياتهم والحديث عما يحبون وما يكرهون من طعام ولباس وموسيقى! ولا شك في أن الجماهير/ المتابعين قد وجدوا في هذا المحتوى ما يلبي حاجة في نفوسهم فانكبوا عليه، ولا يمكن بأية حال إجبارهم على ترك متابعة هؤلاء والانصراف لمتابعة محتوى النخبة، وأنا هنا لا أُحمِّل النخبة مسؤولية انفضاض الناس من حولهم، لكني أُذكرهم بما قيل قديما مع تصرف بسيط: خير “المحتوى” ما استساغته العامة ورضيت به الخاصة