الأردن في عين العاصفة: صمتٌ حكيم وبوصلة لا تخطئ

9

أ. د. اخليف الطراونة

في لحظاتٍ يعلو فيها صوت النار على صوت العقل، لا يكون التحدي في متابعة مايجري بقدر ما يكون في الحفاظ على قدرة الفهم دون انفعال. هنا فقط تُختبر الدوللافي صخبها، بل في قدرتها على التماسك.

في هذا المشهد المضطرب، حيث تتزاحم الروايات وتختلط الأولويات، يصبح وضوحالبوصلة الوطنية مسألة وعي، لا ترفًا فكريًا. فليست كل معركة تُخاض بالسلاح، ولا كلنتيجة آنية تصلح للحكم؛ إذ ثمة انتصارات هادئة تتحقق حين تبقى الدولة متماسكة،والمجتمع متوازناً، بعيدًا عن الانجرار.

الأردن، في تجربته المتراكمة، لا يتعامل مع الأزمات بردّ الفعل، بل بمنطق قراءةالمآلات. وهذه ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة في إقليمٍ يدفع ثمن التسرّع أكثر ممايجني من نتائجه. وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين دولة تدير أزماتها، وأخرى تنجرف معها.

الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل حين يختلّ ميزان الوعي. حينتُستبدل الحقيقة بالإشاعة، والتحليل بالصوت المرتفع، تبدأ الجبهة الداخلية بالتآكلبصمتوهو أخطر ما قد يحدث دون أن يُنتبه إليه في حينه.

وفي مثل هذه الأوقات، لا تكون المعلومة حيادية دائمًا؛ قد تكون عنصر استقرار، وقدتتحول _إن أسيء التعامل معها_ إلى أداة إرباك. لذلك، فإن مسؤولية النخب السياسيةوالأكاديمية والإعلامية ليست في نقل الحدث، بل في قراءته بعمق، وتقديمه بوعي، لامجاراته بانفعال.

لسنا بحاجة إلى خطاب يبالغ أو يهوّن، بقدر ما نحن بحاجة إلى عقلٍ يزن الأمور بميزانالدولة، لا باندفاع اللحظة. فالثقة بالمؤسسات، والالتفاف حول الثوابت، ليستشعارات تُرفع، بل سلوك يُمارسخاصة حين تتسع دوائر التوتر من حولنا.

الأردن لا يملك ترف الضجيج، لكنه يمتلك ما هو أهم: خبرة التوازن. وهذه ميزة لا تُرىسريعًا، لكنها تُثبت قيمتها حين تضطرب المعادلات من حولها.

ختامًا، في زمنٍ يُقاس فيه كثيرون بارتفاع أصواتهم، يثبت الأردن أن القوة ليست هناك. القوة في أن تعرف متى تتكلم، ومتى تكتفي بالفعل، ولماذا. تلك هي الدولةحين تبقىبوصلتها ثابتة، حتى وهي في قلب العاصفة. ــ الراي

قد يعجبك ايضا