المعضلة العراقية والحل البسيط

28

منذ التاسع من أبريل (نيسان) 2003، وحتى هذه اللحظة، والعراق يمرّ بالأزمة تلوالأخرى؛ ثمة قاسمٌ مشتركٌ فيما بينها: تُدار الأزمات بإرادة البحث عن مخرج. أما اليومفالأزمة تُدار بإرادة البقاء، على وقع الأحداث المجنونة الجارية في منطقتنا. وهذاالفارق، بين الأمس واليوم، كفيلٌ بتفسير الانحدار المستمر في كل مفاصل الدولةومؤسساتها.

ومن داخل التجربة لا من خارجها، ومن موقع العارف في كيفية صنع القرار وتعطيله،تُكتب هذه الكلمات. ليس لتسجيل موقفٍ، بل للقول إن ما يجري حالياً لم يعد قابلاًللتدوير. فالمعضلة العراقيّة لم تكن يوماً غامضة، بل هي واضحة حدّ الإحراج، يقابلهاعجزٌ مزمنٌ عن اتخاذ القرار. نحن لا نعيش أزمة فهم أو مقاربة، بل أزمة إرادة.

للأسف، لم تجب النخب السياسية عن سؤال بسيط في الشكل والطرح، لكنه عميق فينتائجه: ماذا نريد؟ بناء الدولة أم استمرار السلطة؟ والدولةهناتعني احتكار السلاحوسيادة القانون ومؤسساتٍ لا تُختزل بالأفراد، وتعنيأيضاًمحاربةً جديّةً للفسادبوصفه «الخط الأحمر» الذي لا يُمّس؛ لأن ما يجري فعليّاً هو إدارة توازنات هشة،تُستخدم فيها الأخطاء بدلاً من معالجتها.

يكفي الوقوف عند مثالٍ واحدٍ واضح: الفساد؛ الذي يُفترض أن يكون مرفوضاً في كلمنظومة، تحوّل في بلادنا إلى أداةٍ داخل النظام نفسه. يُستخدم لتثبيت التحالفاتوشراء الولاءات وإدامة النفوذ، بل يُدار بعناية، لاجتناب انهيار التوازنات التي قامتعليها السلطة. بعد 23 عاماً على العراق الديمقراطي، لم يعد الفساد انحرافاً، بل أصبحبنية كاملة.

ولا يمكن الحديث عن دولة حقيقيّةٍ في ظل وجود سلاح خارج إطارها وقرارها. هذاالملفتحديداً وعلى ضوء الأحداث الجاريةيوجب مراجعةً حقيقيّةً شاملة؛ إذ يُدارغالباً بمنطق الالتفاف، وتُستدعى له مبررات دينية، وتُصاغ له عناوين عقائدية، وتُلبّسله أحياناً أبعادٌ قوميّة. والقيم عندما تتحوّل إلى أدوات تبرير تُفرّغ من معناها، وتحوّلإلى جزء من الصراع لا مرجعيّةٍ له. باختصار، كل سلاحٍ موازٍ لسلاح الدولة، هو سلاح ضدالدولة، مهما كانت نواياه.

وما يختصر أزمة القرار أن ما كان يُطرح سابقاً بوصفه شعاراتٍ للحسم، تحوّل إلىمبررات للتأجيل. وما قُدّم بوصفه وعوداً للتغيير، أصبح خطاباً لتفسير العجز. والنتيجةأمام الجميع: بطالة وأميّة تتسع مع الحديث المستمر عن الفرص والاستثمارات،وخدمات أساسية ما زالت دون الحد الأدنى في بلد يمتلك من الموارد ما يكفي لبناءأكثر من دولة، وكهرباء غير مستقرة رغم الوعود المتكرّرة. هذا ليس فشلاً فنيّاً؛ في كثيرٍمن الأحيان، لا يبدو الأمر عجزاً فقط، بل أقرب إلى استثمار في الأزمة؛ استثمار في بقاءالمشكلة، لأنها تبرر بقاء «المعادلة».

ورغم كل التدابير والوعود، يبقى الواقع الاجتماعي متسماً بتركيبات توتر متشابكةتتفاقم مع الزمن. فالبطالة المزمنة وتدهور الخدمات الأساسية وغياب منظّماتالعلاقة بين الدولة والمجتمع، يُضاف إليها شعور المواطنين المستمر بانتهاك سيادتهموتحجيم قيمتهم وحقوقهم، تخلق حالة من الإجهاد الاجتماعي والضغط النفسيالجماعي الذي يمكن أن يتحول بسهولة إلى انفجار شعبيٍّ هائل.

في هذه المرحلة، أي تأجيلٍ إضافيٍّ للقرار سيعجّل بالانفجار، وحينها لن تكون هناكمساحةٌ لسماع كل التبريرات المدوّرة على مدى السنوات الماضية التي استُنزفتجميعها، ولا مساحة حتى لقبولها، ولن يُميّز بين من أخطأ ومن لم يخطئ، وبين الفاعلوالمسؤول المباشر وغير المباشر. هذا الانفجار المحتمل، ليس مجرد ردّ فعلٍ عاطفيٍّعابر، بل نتيجة طبيعية لغياب المؤسسات الفاعلة، وفشل منظومة اتخاذ القرار، وتراكمالإحباطات الملموسة على أرض الواقع.

حين نستدعي الأدبيات الدينية في الخطاب السياسي، فإن أول ما يُفرض علينا هوالالتزام، لا التبرير. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). هذه الآية هي رؤيةواستراتيجية وقواعد عمل. كما لا يمكن الاستمرار في مطالبة المجتمع بالتغيير، في حينالقرار غير موجود أو اتخاذه مؤجل. فالتغيير الحقيقي يبدأ حيث مركز القرار، والواقعيشير إلى أن هذا القرار غائب والنخبة السياسية تؤجل اتخاذه كل مرة. وكما قال عليالوردي في كتابه «وعاظ السلاطين»: «لو صدق هذا القول، لكان على الواعظ أن يقولللحاكم: غيّر ظروف الناس أولاً، فحينها تتغير أخلاقهم».

هذا الاقتباس يضع النقاط على الحروف: التغيير الحقيقي يبدأ من السلطة نفسها، لا منالشارع. وكل حديثٍ عن إصلاح السلوك أو المطالبات المجتمعية بالتغيير يصبح بلاجدوى، إن كانت السلطة عاجزة عن اتخاذ القرار الصحيح، أو تؤجله، لتبقي مصالحهاومكتسباتها فوق أي اعتبار للوطن والمواطن. بصراحة؛ لم يعد هناك متسع لإعادةتدوير الأزمة ولا الخطابات ولا لتبرير العجز. نعم، التصحيح متأخر، لكنهرغم ذلكأقل تكلفةً من الاستمرار، لأن الاستمرار لم يعد استقراراًبل أصبح انحداراً بطيئاً، يتبعهانفجارٌ هائل.

ما الحل؟ يبقى الطريق الأمثل للخروج من المأزق السياسي والاجتماعي هو الجلوسعلى طاولة حوار وطنيٍّ جاد وبنّاء. والحوار هنا ليس لتقاسم المصالح والسلطة، وهوليس ترفاً أو مضيعةً للوقت، بل هو المنطلق الوحيد الذي يضع البلاد على المسارالصحيح، لاستناده إلى حقيقةٍ واحدة: مصلحة العراق والعراقيين فوق كل اعتبار. فالتجارب التاريخية أثبتت أن كل الحروب والصراعات، مهما بلغت حدّتها، تنتهي فينهاية المطاف على طاولة الحوار والتفاوض؛ فلماذا لا نبدأ بصفتنا عراقيين من حيثانتهى الآخرون؟

الحوار المطلوب هو حوار عقلاء يؤمنون بأن المصلحة الوطنية العليا لا تتحقق إلا منخلال إرادة سياسيّة واعية. قرار حقيقي يتجاوز كل المصالح الضيقة، والتزام صارم بأنتتحول الدولة من مجموعة مصالح شخصية إلى مؤسسات حقيقية فاعلة وذاتسيادة.

نحن أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلة: إمّا أن تتحوّل الدولة إلى حقيقةٍ تُدار بقانونٍ واحدوسلاحٍ واحد وقرارٍ واحد، وإما أن تستمر بوصفها فكرة مؤجّلة تُستنزف باسم التوازناتحتى تفقد معناها بالكامل. وفي مثل هذه اللحظات، لا تُقاس قيمة النخب بما تقوله، بلبما تجرؤ على فعله. فالرهان الحقيقي لم يعد على توصيف الأزمة، بل على كسر الحلقةالتي جعلت من الفساد نظاماً، ومن السلاح واقعاً موازياً، ومن التأجيل سياسةً قائمةبذاتها. لذلك، فإنّ الحوار الوطني المطلوب ليس مجرد آلية تفاوض، بل امتحان وجوديلفكرة الدولة نفسها: هل لا تزال ممكنة في العراق؟ وهل هناك إرادة حقيقية لإعادتهامن كونها إطاراً شكلياً إلى كونها سلطة فعلية جامعة؟ الجواب عن هذا السؤال لنتحدّده البيانات ولا النيات، بل القرارات الصعبة التي طال انتظارها، وعندها فقط، يمكنالقول إنّ العراق لم يعد يدور في أزماتهبل بدأ أخيراً بالخروج منها.الشرق الأوسط

*رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق

قد يعجبك ايضا