بعد الحرب على إيران.. معركة الأردن الحقيقية في الداخل
مالك العثامنة
حين اندلعت الحرب الأخيرة في المنطقة، لم يكن السؤال في عمّان إن كانت المملكةجزءا من المعركة أم خارجها، بل كان السؤال الأعمق: كيف يمكن لدولة في قلبالجغرافيا المشتعلة أن تحمي نفسها من حرب لم تخترها، وأن تبقى واقفة في لحظةإقليمية تتساقط فيها الدول بين نار الاصطفاف ونار الفوضى، وهذا ما جعل التجربةالأردنية خلال هذه الحرب تستحق قراءة هادئة، لأن ما حدث لم يكن مجرد إدارة أزمة،بل اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على حماية سيادتها، وضبط أعصابها، وإبقاء مؤسساتهاتعمل تحت ضغط غير مسبوق.
الأردن لم يتصرف كطرف محايد بالمعنى التقليدي، ولم يدخل الحرب بالمعنىالعسكري المباشر، لكنه اختار طريق الدولة التي تعرف موقعها وحدود قوتها، فعرّفموقفه منذ البداية بوضوح: لن يكون ساحة حرب، ولن يسمح باستخدام أراضيه أوأجوائه لأي عمل عسكري، وسيحمي سيادته من أي خرق، أيا كان مصدره، وهذاالتعريف لم يكن خطابا سياسيا فقط، بل تحول إلى عقيدة عمل، حين فعّلت القواتالمسلحة منظومات الدفاع الجوي، وتعاملت مع الصواريخ والمسيّرات التي عبرتالأجواء أو استهدفت الداخل، في مشهد كشف أن الأردن لم يكن يراقب الحرب منبعيد، بل كان يديرها من موقع الدفاع عن الدولة نفسها.
جوهر ما حدث أن الأردن لم يجتز العاصفة بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولةعلى العمل في طبقات متزامنة: قرار سياسي واضح، أداء عسكري منضبط، وإدارةاستمرارية اقتصادية وخدمية، مع ضبط داخلي يمنع الانقسام، وهذه المعادلة حافظتعلى ثقة الناس بالدولة في لحظة كان الخوف فيها مبررا، وأثبتت أن الدولة التي تعرفمصلحتها تستطيع أن تحمي نفسها حتى في أصعب الظروف.
لكن اجتياز العاصفة لا يعني انتهاء الخطر، بل بداية امتحان جديد، لأن اللحظة الأخطرليست أثناء الحرب، بل بعد توقفها، حين تبدأ الدول إما في تحويل تجربة الصمود إلىمشروع قوة داخلية، أو في العودة إلى عاداتها القديمة وكأن شيئا لم يحدث.
برأيي، الوقت اليوم حيوي ومناسب، بل وضروري، لأن يلتفت عقل الدولة إلى الداخلالأردني، لا بالمحور الاقتصادي وحسب، بل بتعظيم المصلحة الأردنية بكل أدواتالدولة، في التعليم، والإدارة العامة، والاستثمار، والبنية التحتية، والعدالة الاجتماعية،والخطاب السياسي، لأن الأمن الحقيقي لا يبدأ من الحدود فقط، بل من شعور المواطنبأن دولته تعمل لأجله.
ولعل أخطر ما في لحظة ما بعد العاصفة ليس الخطر الخارجي، بل الفراغ الداخلي إنبقي بلا إدارة، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فارغا طويلا، بل تبحث عنه قوى منظمةتعرف كيف تتحرك في المساحات الرمادية وتملؤه بالشعارات أو بالخدمات الموازية،وهذا درس عرفته دول كثيرة حين تأخرت الدولة عن ملء الفضاء العام بمشروع وطنيواضح.
في الحالة الأردنية، لا يمكن تجاهل أن تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تيار الإخوانالمحظور، ما تزال تمتلك خبرة تنظيمية طويلة، وقدرة على التغلغل الاجتماعي، وأدواتتعبئة فعالة، خصوصا في البيئات التي تشعر بالقلق أو التهميش أو غياب الأفق، ولهذافإن المطلوب اليوم ليس فقط منع الفراغ، بل ملء الفضاء الأردني كله، وبذكاء،وبمشروع دولة واضح، لأن الدولة التي نجحت في حماية سمائها خلال الحرب، تستطيعأن تحمي مستقبلها، إذا قررت أن تجعل الداخل الأردني مشروعها الأول، لا خيارهاالمؤجل.الغد