الحرب دون إسقاط: كيف تفرض معادلة جديدة على طهران؟
د. عامر سبايلة
الحرب على إيران لا تُخاض لإسقاطها… بل لإعادة تشكيلها.
الانتقال إلى استهداف العمق الحيوي في إيران لا يمكن قراءته كتصعيد عشوائي، بلكنتيجة طبيعية لتعثر المسار التفاوضي، وفشل إحداث تغيير في السلوك الإيراني عبرأدوات الضغط التقليدية. هنا يبدأ الانتقال من إدارة الصراع إلى فرض واقع داخليجديد، يقوم على تفكيك بنية الدولة من الداخل.
هذا المسار لا يتحرك دفعة واحدة، بل وفق تدرج محسوب. يبدأ بضرب البنيةالعسكرية ومخازن السلاح والصواريخ، ثم ينتقل إلى استهداف البنية الدفاعيةوالصناعات المرتبطة بها، بالتوازي مع عمليات اغتيال وتصفيات تستهدف العقولومراكز الأبحاث ودوائر القرار، في محاولة لإنهاء القدرات الإيرانية على المدى البعيد، لامجرد تحييدها مرحلياً.
في هذا السياق، لا يكون الهدف مجرد إضعاف، بل تفكيك منظومة الإنتاج العسكريبالكامل، من بنيتها التحتية إلى كوادرها البشرية. وهنا يصبح استهداف قطاعات مثلالفولاذ والألمنيوم والصناعات الكيماوية جزءاً من معركة أعمق، تهدف إلى قطع تغذيةالصناعات العسكرية، وتجريد النظام من قدرته على إعادة بناء نفسه أو تبنيسيناريوهات غير تقليدية.
لكن الوصول إلى استهداف المنشآت الحيوية يحمل دلالة مختلفة، إذ يشير إلى تعثرتغيير السلوك، والانتقال إلى فرض بيئة داخلية ضاغطة. وهو ما يفسر تصريح دونالدترامب بعد استهداف جزيرة خرج بأن الضربة طالت المنشأة العسكرية فقط دونالنفطية “التي قد نحتاجها لاحقاً”، في إشارة إلى منهجية تجريد تدريجي: عسكرياً، ثمصناعياً، ثم اقتصادياً، قبل الضغط المباشر على الداخل.
وفي هذا الإطار، يصبح استهداف البنية التحتية الحيوية– مثل الجسور ومحاور الربط،خصوصاً بين كرج وطهران– مؤشراً على مرحلة “تقطيع الأوصال”: عزل المناطق،تعطيل الحركة العسكرية، وإضعاف القدرة على المناورة والتمويه، تمهيداً لخلق بيئةعملياتية مجزأة، قابلة للاختراق عبر عمليات نوعية.
هذا النمط يعكس محاولة لإعادة رسم الخريطة العملياتية داخل إيران، عبر تفكيكشبكات الاتصال والربط، وتحويل الجغرافيا إلى مناطق منفصلة يسهل التعامل معهاعسكرياً.
بالتوازي، يتحرك هدف إستراتيجي آخر: تجريد إيران من أهم أوراقها، وفي مقدمتهامضيق هرمز. فالتصريحات الأميركية حول أن المضيق “لا يخدم الولايات المتحدة”،إلى جانب الحديث عن وفرة النفط، تعكس محاولة واضحة لنزع سلاح الطاقة من يدطهران وتقويض قدرتها على التأثير في الأسواق وسلاسل التوريد العالمية.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التغييرات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية– بما فيذلك إقالة قيادات– كإجراء روتيني، بل كرسالة واضحة لإعادة ضبط القرار العسكري،وإقصاء التيارات المتحفظة التي ساهمت في إبطاء العمليات.
وهذا يفتح الباب أمام مرحلة أكثر حساسية، خاصة مع حديث ترامب عن “أسابيعحاسمة”، قد تشهد استخدام أدوات نوعية: عمليات برية محدودة، قوات خاصة،ضربات حاسمة، وربما تفعيل تحركات داخلية لإعادة رسم مناطق النفوذ.
في هذا الإطار، تكتسب المؤشرات الميدانية– من عمليات جوية منخفضة الارتفاع إلىحوادث سقوط طيارين– دلالة تتجاوز الحدث نفسه، لتشير إلى أن بعض المناطق بدأتتُهيأ فعلياً لعمليات عزل وتفريغ، تجعلها أكثر قابلية للتدخل العسكري المباشر.
ومع ذلك، يبقى هذا التصعيد محكوماً بسقف واضح: تجنب الفوضى الشاملة. فلاالولايات المتحدة ولا خصوم إيران أو حتى حلفاؤها يرغبون في انهيار دولة بهذا الحجم. لذلك يُدار الضغط تدريجياً، بهدف إخضاع النظام لا إسقاطه الفوري.
لكن مع ذلك، فإن استهداف البنية الحيوية، خصوصاً الطاقة، قد يدفع الصراع نحوحافة أكثر خطورة. فتعطيل محطات الكهرباء، على سبيل المثال، قد يتم عبر وسائل غيرتدميرية، مثل التقنيات الكهرومغناطيسية، لشلّ القدرة التشغيلية دون خلق دمار دائم.
في المحصلة، لا يجري استهداف إيران لإسقاطها بضربة واحدة، بل لإعادة تشكيلهاتحت ضغط واقع داخلي قسري، يُفرض تدريجياً عبر تفكيك قدراتها، وعزل جغرافيتها،وإضعاف تماسكها الداخلي. وعند تلك النقطة، لن يكون الهدف كسب الحرب… بلفرض شكل النظام الذي سيبقى بعدها.الغد