أطماع صهيونية “أبعد من الليطاني”
نادية سعد الدين
يريد «نتنياهو»، من وراء عدوانه الجديد ضد لبنان وخروقاته المتواصلة لاتفاق وقفإطلاق النار (نوفمبر 2024)، إدامة تبعات الحرب وتثبيتها واقعاً ملموساً، ليس فقطبهدف تقليص نفوذ «حزب الله» وتدمير بنيته العسكرية ونزع سلاحه وإعادةالمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة، بل أيضاً لمسعى خلخلة التركيبة السكانيةوزعزعة الاستقرار المحلي وتغيير الخريطة الجغرافية اللبنانية لفرض واقع أمنيوجغرافي مُغايّر، في إطار مشروع «الشرق الأوسط الجديد» المُتخيّل في العقليةالأميركية الصهيونية.
ولن يكتفي «نتنياهو» باتفاق يضمن منطقة خالية من «حزب الله» وسلاحه جنوبيالليطاني فقط، بل يسعى لأكثر من تطبيق القرار الدولي رقم 1701 (الصادر عن مجلسالأمن في 11/8/2006)، وربما إعادة الأوضاع لما كانت عليه باحتلال مطوَّل لأجزاء أكبرمن جنوب لبنان، قبل الانسحاب عام 2002، أو على الأقل إيجاد ترتيبات أمنية جديدةوإنشاء حزام أمني فعلي جنوب الليطاني، بما يشكل تغييراً جغرافيًّا جذريًّا فيها، وتهديداًلسيادة الدولة اللبنانية، ومحاولة لإعادة رسم الحدود بالقوة.
وتُعد منطقة الجنوب اللبناني، ذات الموقع الإستراتيجي المهم، مطمعاً دائماً للاحتلالومركزاً للصراع معه منذ سنوات طويلة؛ إذ تشكل حدودها مثلثًا مع الحدود السوريةوالفلسطينية، وتضم 5 مخيمات للاجئين الفلسطينيين، مما يُفسّر مساعيه الدؤوبةلتغيير خريطتها الجغرافية وتثبيتها لاحقًا في محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد،وتفريغ (الجنوب، البقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت) من معظم سكانها، وخلخلةالتوازن المجتمعي جغرافيًّا.
وتتسّلل العين الصهيونية الطامعة نحو ثروات لبنان وموارده من النفط والغاز وموقعهالإستراتيجي الوازن بوصفها «حلماً» غابراً تكشف عنه الوثائق الصهيونية القديمة، عبرمطلب احتلال جنوب لبنان واستيطانه لتأمين الوصول إلى نهر الليطاني وجعله حدود«الدولة» الشمالية، بزعم أن «لبنان جزء من الأرض الممنوحة لإسرائيل المُمتدة إلىنهر الفرات»، مما يضع العقبات الكؤود أمام لبنان (بجانب أسباب مالية ولوجستيّة)لاستخراج كنوزه والاستفادة من ثرواته.
ولم يسهم اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين بوساطة أميركية (27/10/2022)في إنهاء الخلاف على خطوط الحدود المقترحة للتنقيب عن النفط والغاز في الطرفالشرقي للبحر المتوسط، وسط مطالب الاحتلال بإلغاء الاتفاقية وتعديلها للاستيلاء علىمساحات إضافية من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.
وتطل المطامع الصهيونية القديمة في نهر الليطاني بين ثنايا مخطط تغيير الخريطةالجغرافية اللبنانية، مما جعل أطول أنهار البلاد اللبنانية وأكبرها وأهمها إستراتيجيًّامركز اهتمام الاحتلال ومحور عملياته العسكرية المتواترّة لاجتياحه، وموضع مساعيهالمتواترة لإبعاد «حزب الله» إلى ما وراءه، ومما يُفسِّر أيضاً هجماته الكثيفة لتفريغالأراضي الواقعة بين الليطاني والحدود الشمالية لفلسطين المحتلة من سكانها،وطروحاته المتوالية بإقامة منطقة عازلة على طول الحدود مع لبنان تمتد حتى نهرالليطاني.
ويدخل نهر الليطاني في المخطط الصهيوني لعدة أسباب: أولًا، نظير موقعهالإستراتيجي وقربه من الحدود مع فلسطين المحتلة، فيما تبتعد زاويته الشرقية نحو 5 كيلومترات عن مستوطنة «ميتولا» الجاثمة فوق أراضي بلدة المطلة الفلسطينية في«إصبع الجليل». ثانياً: لإدراجه في المشروع الصهيوني التوسعي الذي يتضمن الاستيلاءعلى جنوب لبنان وضم الليطاني وتأمين كميات المياه اللازمة. ثالثاً: يرتبط بالمدىالفعلي للصواريخ التي تُطلق على المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة. رابعاً:دوافع أمنية متعلقة بحماية أمن المستوطنات في الجليل الأعلى.
بينما يُدِّلل إسراع الاحتلال للاستيلاء على جبل الشيخ، فور سقوط النظام السوري، علىأهميته البالغة بالنسبة لمخططه التوسعي في لبنان، وسط مساعي الترويج لمكانتهالدينية المزعومة لدى اليهود كغطاء «شرعي» لهدفه الاستعماري، نظير موقعهالإستراتيجي المُشرف على أربع دول (سورية، لبنان، الأردن، وفلسطين المحتلة) وكونهأعلى جبل في سورية، مما يوفر مكانًا أمنيًّا حيويًّا لمراقبة أنحاء المنطقة، لم يكن متاحاًبالسابق، فضلًا عن موارده الاقتصادية وقيمته البيئية والمائية الغنيَّة التي تجعله قاعدةأساسية لمشروع الاستيطان، سبيلًا للتوسُّع والسيطرة على الموارد المائية بالمنطقة،وتقليص إمدادات المياه للفلسطينيين لإجبارهم على التهجير القسري.
يُعد اتفاقا وقف إطلاق النار الهشّانِ في غزة ولبنان جزءاً من التركيبة التي تريدها الإدارةالأميركية لإحياء مشروع «الشرق الأوسط الجديد» على أنقاض التصعيد الإقليمي، بمايتناغم مع الأطماع الصهيونية التوسعيّة في المنطقة التي يسعى الاحتلال لتحقيقها منخلال ساحة الجنوب اللبناني.الغد