رسالة التطوير العسكري: بين طمأنة الداخل وبناء الردع الإقليمي

38

حسين الصرايرة

لا يمكن قراءة رسالة القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية الملك عبد الله الثاني ابنالحسين لجيشه العربي دون التمعّن، من وجه نظر سياساتية مدنية قبل العسكرية،تحديداً في الفقرة التي عبّر فيها جلالته عن تطلعه لاعتماد استراتيجية واضحة وخارطةطريق لتطوير القوات المسلحة الأردنية، بمعزل عن السياقين الإقليمي والدوليشديدي الاضطراب.

لكن اللافت ليس مضمون التوجيه بحد ذاته وإنما علنية الرسالة وحدّة مفرداتهاالعملياتية، حين جرى الحديث صراحة عن حماية “مراكز الثقل الاستراتيجيةوالعملياتية” وامتلاك منظومة “قيادة وسيطرة واتصالات فاعلة وموثوقة وآمنة”.

هذا المستوى من الوضوح لا يُستخدم عادة في الخطاب العام المتعلق بشأن عسكريإلا عندما تكون الرسالة موجهة في آن واحد إلى الداخل الوطني والخارج الإقليمي. ففيالأدبيات الاستراتيجية، تُعد الشفافية في القضايا العسكرية أداة من أدوات إدارةالإدراك العام والاعتقاد وبناء الردع. حين يعلن رأس الدولة بشكل مباشر عن متطلباتحماية مراكز الثقل، فهو لا يكتفي بإعطاء توجيه مؤسسي أو تقني مجرّد للقيادةالعسكرية، بل يمارس فعلًا سياساتيًا متعمدًا يهدف إلى طمأنة المجتمع الأردني بأنالدولة لا تتعامل مع التهديدات بوصفها احتمالات بعيدة، وإنما باعتبارها سيناريوهاتتخطيطية يجري الاستعداد لها مؤسسيًا، بموازاة إرسال إشارات ردع محسوبة للخارجبأن الأردن لا يعتمد فقط على المواقف السياسية والتحالفات، هناك ارتكاز لديه وعقيدةيطوّر بناء عليها بنية صلبة للقيادة والسيطرة والجاهزية العملياتية.

من هذا المنظور، يصبح الإعلان عن الرسالة بين قائد وجيشه ذاته جزءًا من منظومةالأمن القومي، ولا يتوقف عند خطاب تحفيزي داخلي.

ومن اللافت استخدام مصطلح “مراكز الثقل” لما له من دلالة فكرية عميقة في العقيدةالعسكرية الحديثة. فهو يشير إلى العناصر التي إن تعطلت أو استُهدفت يتأثر كاملالنظام الدفاعي والاقتصادي والسياسي للدولة، مثل البنية التحتية الحيوية، ومنظوماتالاتصالات والبيانات، وسلاسل الإمداد واللوجستيات، ومواقع القيادة وصنع القراروالسيطرة.

وهذا يعني أن التطوير المطلوب يتجه نحو بناء منظومة حماية شاملة للدولة كوحدةمتكاملة، حيث تتقاطع الأبعاد العسكرية مع السيبرانية والتكنولوجية واللوجستية وحتىالاقتصادية، و لا يقتصر على زيادة القدرات القتالية فقط، أمر مطلوب بصورة مستدامة.

بعبارة أخرى، نحن أمام تحول من مفهوم “الدفاع عن الحدود” إلى مفهوم “الدفاع عناستمرارية الدولة ووظائفها الحيوية”، وهو جوهر العقيدة الدفاعية في الدول التيتواجه بيئات تهديد معقدة وغير تقليدية.

كذلك فإن التأكيد الملكي على منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات لا يقف عند كونهتفصيلًا تقنيًا، إنها اعتراف مباشر من جيش منظم عمره قارب على ١١ عقداً بأن التفوقفي الحروب الحديثة لا يُقاس بعدد الوحدات أو نوع السلاح فقط، بل بسرعة القرارودقة المعلومة واستمرارية الاتصال استخبارياً وميدانياً وسياساتياً.

في نزاعات ما دون الدولة المعاصرة أو ما يمكن تسميتها بالمليشيوية التي نشهدها فيالإقليم، غالبًا ما تُهزم الجيوش المنظمة ليس بسبب نقص القوة النارية، بل بسببتعطّل أنظمة الاتصال، وتشويش نظم القيادة، وفقدان الوعي الميداني اللحظي. وعليه،فإن الاستثمار في منظومة اتصالات حصيفة آمنة يعني عمليًا الانتقال إلى نموذجالجيش الشبكي (Network-Centric Warfare حيث تتكامل المعلومات والقراروالتنفيذ في منظومة واحدة، وهو ما يرفع كلفة استهداف الأردن عسكريًا أو أمنيًا لأيطرف معادٍ.

لا يمكن فصل هذا التوجيه عن محيط إقليمي يشهد تصاعد الحروب غير المتناظرةوتوسع استخدام الطائرات المسيّرة، وتداخل الساحات بين دول الجوار، إضافة إلىهشاشة الحدود في أكثر من اتجاه.

في هذا السياق، فإن إعلان تطوير القدرات الدفاعية يشكّل تموضع استراتيجي جديدللأردن كدولة قادرة على حماية استقرارها دون الانجرار إلى سياسات استباقية عدوانية. هو ردع بلا تصعيد، واستعداد بلا استعراض.

وهنا تكمن براعة الرسالة، التي تتحدث بلغة وعقيدة ورسالة الجيش العربي فهي لاتلوّح بالقوة، لكنها تؤكد الجاهزية؛ لا تصعّد الخطاب، لكنها ترفع سقف الكلفة أمام أيتهديد محتمل.

من منظور مراكز التفكير والسياسات العامة، فإن أخطر ما تواجهه الدول متوسطةالموارد انفصال التخطيط العسكري عن التخطيط الاقتصادي والتنموي والتكنولوجي،فباعتبار الجيش مؤسسة منفردة لا شبكية، يعني أن القرار السياسي لم يأت على شكلمنظومة إدارة شاملة واستراتيجية، وهذا ما تؤكد عليه رسالة من قائد دولة لاستدامةتقاطع الدور الاستراتيجي للجيش مع كافة القطاعات الحيوية، ولهذا فإن الاستراتيجيةالمطلوبة، كما يفهم من مضمون الرسالة، يجب أن تتقاطع مع سياسات التصنيعالدفاعي المحلي، والاستثمار في التعليم التقني والهندسي، والأمن السيبراني الوطني،إلى جانب حماية البنى التحتية للطاقة والمياه والاتصالات.

بذلك تتحول استراتيجية تطوير القوات المسلحة إلى رافعة تحديث للدولة ككل، وليسمشروعًا عسكريًا معزولًا داخل المؤسسة الدفاعية.

في المحصلة، لا تعبّر الرسالة الملكية عن قلق أمني بقدر ما تعبّر عن ثقة مؤسسيةبقدرة الدولة على الانتقال إلى مستوى أعلى من الجاهزية الاستراتيجية؛ هي رسالةتقول للداخل إن الدولة تمسك بزمام التخطيط، وتقول للخارج إن استقرار الأردن ليسأمرًا عرضيًا أو قائمًا على التوازنات السياسية فقط، بل محمي ببنية دفاعية تتطور وفقمنطق علمي ومؤسسي.

ومن هنا، فإن خارطة الطريق المنتظرة وثيقة سيادية بامتياز، تحدد كيف يرى الأردنموقعه في بيئة إقليمية مضطربة، وكيف يحمي نفسه دون أن يتحول إلى طرف فيصراعات الآخرين، وكيف يبني قوة هادئة، لكنها عميقة الأثر.

*باحث سياسي

مدير البرامج والتخطيط بمعهد السياسة والمجتمع

قد يعجبك ايضا