“الحرسيون”ومرحلة “مابعد الحرب”4

21

نادية سعدالدين

بانت سطوة الحرس الثوري الإيراني وثقل سلطته السياسية عبر إعلان إيران اختيار «مجتبى خامنئي» مُرشداً وزعيماً أعلى للبلاد التي تُواجه مرحلة حاسمة جراء العدوان الأميركي – الصهيوني ضد أراضيها، مما يعكس قوة سيطرة غلاة المحافظين على مقاليد الأمور، بدون أن يُبدد ذلك وزن خلاف النخب السياسية الإيرانية حول نطاق دور الحرس وإشكالية نفوذه العميق محلياً.

  دخل دور «الحرسيون» دائرة السجال الداخلي بقوة منذ قمع الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، التي اندلعت عام 2019، وتجددت مؤخراً كمسار متقطع لتظاهرات مماثلة مستمرة منذ العام 2017، تأصيلاً لتباين الأجندات بين السياستين الداخلية والخارجية ولإشكالية الوصل بين الحيزين الديني والسياسي، مما خلق تحديات وازنة تتجاوز، في أبعادها العميقة، إرهاصات توظيف الحرس لنفوذه وقوته العسكرية وتعزيز الخطاب المناوئ «للقوى المتآمرة على الثورة الإسلامية»، سبيلاً لإخماد رُحى إشكالياته المحلية.

وإذا كانت جدلية الدور لاحت مجدداً مع الاحتجاجات الأخيرة ضد سوء الظروف المعيشية، فإن الهوة آخذة بالاتساع بين المحافظين، موئل حماية الحرس بمظلتهم المقربة من خط المرشد الأعلى، المتشبثين بحرفية مبادئ الثورة والمناصبين العداء للغرب، لاسيما الولايات المتحدة، والمطالبين بترسيخ دور الحرس في بناء القوة الإقليمية الضاربة لإيران، مقابل خط الإصلاحيين «المعتدل» المطالب بإيلاء الاهتمام للشأن الداخلي، بعيداً عن التمسك بالمبادئ الثورية، وتحجيم دور الحرس داخلياً ووقف عملياته الخارجية، وانتقاد سياسته الصاروخية، بدون أن يعبر بالضرورة عن رأي التيار عموماً، فمنهم من ينادي بتعزيز الجبهة الداخلية مروراً إلى مرحلة توسيع النفوذ الإيراني الإقليمي، بما يدور الإشكال هنا حول التوقيت فقط، فحلم التوسع طموح مستقر لدى أغلب الدوائر الإيرانية.
ويُنذر الخلاف في حال تعمقه واستمرارية أمده بإنشقاقات داخل دوائر النظام قد تمثل صداعاً لا يُحمد عُقباه في المدى القريب، أمام مواطن التباين المبطنة لمرحلة «ما بعد» عملية اغتيال المرشد الأعلى «علي خامنئي» في 28 شباط (فبراير) 2026، وسط جدل متنامٍ لن يتوقف عند حدود ملامح السياسة الإستراتيجية لإيران ومدى التزامها بمحور «الممانعة» وطبيعة دور الحرس، بل سيتعداه صوب منصب المرشد الأعلى نفسه، طالما هناك رئيس إيراني منتخب، وقد يُوجه الخلاف حول تحويله إلى مجلس منتخب أو حصر صلاحياته في الشأن الديني، مما سيفتح المجال واسعاً لإضطراب داخلي.
ويرتبط ذلك بجانب آخر قد تبدأ نتائجه ودلالاته بالظهور في مرحلة «ما بعد»، إذ إن نسبة التدين في النظام السياسي أعلى كثيراً مما هي عليه في المجتمع، بما قد يفتح فجوة بينية شاسعة ويدفع الضغط المجتمعي إلى واجهة المشهد الداخلي لجهة تخفيف الجرعة الدينية، ما يعني فتح المجال أمام نقاش قد يصل إلى مرحلة الحدة حول وظيفة المرشد، في ظل وجود رئيس. وقد لاحت مؤشراته أثناء هتاف المتظاهرين المناوئ «لولاية الفقيه» والمطالبة بتغيير الحكم الديني نحو الملكية.
إلا أن وتيرة الاحتجاجات تتأثر غالباً بالقبضة الأمنية الإيرانية، لاسيما الحرس، وعند تصعيد الخطاب الديني الداخلي لتحويل الإهتمام من المطالب الحقوقية إلى الوجدان الوطني، وإيقاظ الحس القومي بمحذور «أعداء الدولة». غير أن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، باستهدافه هذه المرة تغيير النظام الإيراني قد يُنعش آمال بعض شرائح المعارضة الإيرانية، خلافاً لأهداف عدوان الـ12 يوماً بالعام الماضي التي رمت نحو تعديل سياسات الحكومة الإيرانية وليس تغييرها مما أحبط تطلعها بتدخل أميركي، أو دولي، لمساندتها.
أما المساعي الخارجية بإثارة ورقة النزعة الإنفصالية الكردية داخل إيران، فلن تفلح كثيراً في وجه معارضة مشتركة مع دول أخرى مُضادة، بدون أن ينفي ذلك قلق إيران التي تضم منهم 8- 10 ملايين نسمة، يشكلون ما بين 10-12 % من سكان إيران، يعيش معظمهم في غرب وشمال غرب البلاد، نظراً لما يشكله الأكراد من خصم لدود بالنسبة إليها بعد جهودها، عام 1946 وعقب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، في «قصقصة» أجنحتهم وإحباط تطلعهم نحو الكيان المستقل، والتعامل معهم منذ زمن بعيد بقبضة حديدية.
إن تعرض الدولة لعدوان خارجي وتهديد يمس السيادة، قد يؤدي «للالتفاف حول علمها» (Rally-around the flag effect)، وتراجع الخلافات الداخلية مؤقتاً وارتفاع الدعم الشعبي للقيادة الإيرانية الجديدة، في وجه العدو الخارجي.الغد

قد يعجبك ايضا