مشروع نتانياهو.. ماذا بعد؟!

راكان السعايدة

55

ها هو المبعوث الأميركي الخاص توم باراك يعلن، بلغة واضحة غير ملتبسة، أن “إسرائيل” لم تعد تعترف بالحدود التقليدية، أو الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس–بيكو.
ويمهّد باراك للخطوات العملية بتأكيده أن “إسرائيل” ستتخذ أي إجراءات تراها ضرورية لحماية أمنها ومنع تكرار ما حدث في السابع من أكتوبر عام 2023.

ما جاء به باراك لا يمكن أخذه على أنه تكهّنات أو تنبؤات، فهذا الرجل ليس محللًا ولا عرّافًا يقرأ الكف وينجّم بالغيب، إنما هو أحد أهم المسؤولين في الإدارة الأميركية المكلّفين بملفات المنطقة؛ سوريا ولبنان.
بمعنى أن كلامه يجب أن يُؤخذ بمنتهى الجدية، من دون تسطيح أو تسخيف، وأن يُربط بتصريحات رئيس وزراء الكيان عن “إسرائيل الكبرى” وضم أجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان.

قد يفهم بعض الناس خطأً أن “إسرائيل” تريد احتلال الأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر، أي من النيل إلى الفرات، دفعة واحدة.
هذا بطبيعة الحال هو الحلم النهائي، لكن الواقعية تقول إن هذا الكيان بوضعه الحالي لا يستطيع تحقيقه، غير أن بمقدوره تحقيق بعضه، فهو منذ تأسيسه يعتمد سياسة القضم وخلق الوقائع بالتدرج.

السؤال هنا: هل خلقت “إسرائيل” وقائع جديدة في سياق مشروعها “إسرائيل الكبرى”..؟
الجواب: نعم، خلقت وقائع وتعمل على خلق وقائع جديدة، وتمهّد لتثبيت هذه الوقائع بشراكة كاملة مع أميركا “الترامبية”.

كيف ذلك..؟

أولًا: قرار نهائي بمنع إقامة دولة فلسطينية، واتخاذ خطوات عملية ميدانية لتنفيذ ذلك في الضفة الغربية بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية.
إن فرض السيادة على مناطق الضفة الغربية، بشكل رسمي، بات مسألة وقت، بقرارات “كنيست” وإجراءات عملية، ليس أقلها في مقبل الأيام تفكيك سلطة أوسلو، ونسف اتفاقيتها التي وُقّعت عام 1993 وكان يفترض بموجبها أن تُقام الدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات، أي عام 1998.
هذا يتطلب –بالفهم الصهيوني– تهجير مئات الآلاف من أبناء الضفة الغربية، ومن يبقى منهم سيُحشر في جغرافيا ضيقة تُستعاد فيها سياسة “روابط القرى”، وهو ما يحاولون تجريبه في الخليل.
أما قطاع غزة فالعمل جارٍ، عبر الإبادة الجماعية، على تهجيرهم إلى سيناء المصرية على أقل تقدير، وإلى أي مكان متاح في العالم.

ثانيًا: السيطرة العسكرية ولاحقًا ضم جنوب لبنان حتى حدود نهر الليطاني، وإذا لم يكن ضمًّا وسيادة في البداية فسيكون كما هو الوضع الراهن: سيطرة أمنية وعسكرية حتى تأتي اللحظة المناسبة.
اللحظة المناسبة لن يطول انتظارها، فلبنان على شفير حرب أهلية أسّس لها قرار حكومي بنزع سلاح حزب الله، والحزب قالها صراحة إنه لن يسمح بذلك.
هذا يعني أنه عندما يبدأ الجيش اللبناني عملية نزع السلاح ستبدأ المواجهة، فينشغل اللبنانيون بعضهم ببعض، وعندها تتذرع “إسرائيل” بالفوضى التي أسست لها وصنعتها بتنسيق كامل مع أميركا وتدفع بقواتها المتواجدة في جنوب لبنان أصلًا لتصل إلى نهر الليطاني.
هذه المنطقة، وكما تبرر تواجدها فيها الآن، ستكون لحماية الكيان ومنع تكرار 7 أكتوبر جديد، وهي حجة ستكون حاضرة عندما تقضم أجزاء من دول أخرى.

ثالثًا: السيطرة على جنوب سوريا وضمّه. بعد أن سقط النظام السوري السابق اندفعت القوات الإسرائيلية إلى أطراف دمشق وتوسعت في ريفها، ولها حضور في القنيطرة ودرعا، فضلًا عن سيطرتها على جبل الشيخ.
والأهم من ذلك أنها خلقت لها موطئ قدم في السويداء، وستجعله رأس رمح في تفكيك سوريا إلى دويلات. وهي تواصل تدمير كل المقدرات العسكرية للنظام الجديد، لأن تفكيك سوريا يتطلب إضعاف الحكومة المركزية وجعلها غير قادرة على مواجهة النزعة الانفصالية التي تهيمن على الدروز والأكراد والعلويين ووقفها.
وهؤلاء جميعًا لا مشكلة لديهم في تنسيق كل ذلك مع “إسرائيل”، والأخيرة تأخذ جنوب سوريا كمنطقة عازلة تضمها وتفرض سيادتها عليها، وبقية الدويلات ستكون كيانات تابعة لها وتدور في فلكها.

إذن، “إسرائيل” بما تفعله في الضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان تضع لبنة جديدة في مشروع “إسرائيل الكبرى”.
فهي تعمل على تدمير سلطة أوسلو في رام الله وإنهائها كمظهر من مظاهر الدولة الفلسطينية المأمولة، وتبيد قطاع غزة، وفي سوريا تُضعف السلطة المركزية لصالح النزعة الانفصالية لبعض المكونات، وفي لبنان تدعم السلطة المركزية لتصفية حزب الله كقوة مقاومة يجب تصفيتها.
كل هذا يوسع جغرافيا الكيان، الذي كما قال باراك، إنه لا يعترف، ولا أميركا على ما يبدو، بحدود سايكس–بيكو.

والحال، ماذا عن الأردن ومصر..؟
الإجابة ببساطة شديدة ومن دون تفصيل:
أولًا: “إسرائيل” ستعمل على تهجير أبناء قطاع غزة إلى سيناء، وإلى عمق سيناء، وإما ستنقل حدودها إلى أطراف الجغرافيا التي يتم فيها تجميع الغزيين داخل سيناء أو تجعلها منطقة عازلة في العمق المصري تحت هيمنتها وسيطرتها العسكرية والأمنية.
ثانيًا: “إسرائيل” لها أطماع تاريخية في غور الأردن وجبال البلقاء. صحيح أنها جُرِّبت في معركة الكرامة وهُزمت على يد الجيش الأردني، لكن الأطماع مستمرة ليس فقط في الأغوار وجبال البلقاء بل في الأردن كله.

المشهد أعلاه هو الترجمة الواقعية لتحريك حدود سايكس–بيكو وفقًا لما يراه باراك تفكيرًا إسرائيليًا، وهو ترجمة أيضًا لتصريح رئيس وزراء الكيان باقتطاع أجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان.
ليس هناك من سبيل إسرائيلي لفعل ذلك وإيجاد ثغرات تبرر تدخلها بحجة حماية نفسها إلا بخلق الفوضى في البلدان المحيطة بها، وهي الفوضى التي تعبّد طريق تدخلها.. لبنان وسوريا نموذجًا.

وبعد، ماذا فعلنا؟ هل أعددنا أنفسنا بالاعتماد على أنفسنا أم نراهن على أميركا والغرب واتفاقيات ثبت ألّا قيمة لها..؟
سؤال برسم الإجابة..

قد يعجبك ايضا