سموم تغتال الوعي وتفكك العشائر
لما شطاره
في زاوية مظلمة تسكنها الهلاوس والأوهام ، تبدأ المأساة حين يتوارى العقل تماماًخلف غشامة السموم؛ تلك المخدرات المصنعة والأشد خطورة مثل “الكريستال ميث”و”الحشيش الصناعي (الجوكر)” ومركبات الشبو، التي لا تكتفي بمسخ وعي الإنسان، بلتعيد تشكيل واقعه في صورة كوابيس مرعبة تزرع في ذهنه هلاوس سمعية وبصريةوظنوناً اضطهادية تجعله يرى في أقرب الناس إليه أعداء يتربصون به، أو تمنحه تجرؤاًوحشياً يسلب منه أدنى معاني الإنسانية. وما الشواهد الفاجعة التي صدمت الشارع الأردني مؤخراً، كالجريمة المروعة التي راح ضحيتها الضحية الشابة “نور” على يد مجرم من أصحاب السجل الجرمي الحافل والأسبقيات المطارد من قبل الأجهزة الأمنية، إلا تجسيد صارخ لهذه اللحظة الفارقة التي يلتقي فيها عقل مسلوب بفعل السموم مع نفس إجرامية متمرسة تمارس العنف بدم بارد. غير أن الكارثة في هذه الفظائع لا تقف عند حدود الجاني والضحية، بل تتعداهما لتمتد كالنار في الهشيم لتعصف بمحيط المجرم كاملاً؛ فالزلزال الذي يحدثه لا يدمر مستقبله وحده، بل يلقي بظلاله الثقيلة والمظلمة على أسرته، وزوجته، وأطفاله الأبرياء الذين يجدون أنفسهم فجأة يتجرعون مرارة الوصمة الاجتماعية والضياع والتشريد، بل إن لهيب فعلته يطال عشيرته وعائلته الممتدة التي تُدفع دفعاً في كثير من الأحيان للنزوح والجلاء عن بيوتهم ومناطقهم،لينهار الاستقرار الاجتماعي وتتمزق أواصر القربى والجوّار بلمح البصر بسبب طيش عقل مسلوب وروح غارقة في الإجرام. ومن المنظور النفسي والعلمي، تعمل هذه العقاقير الذهانية على تدمير الموصلات العصبية في الدماغ بشكل حاد، مما يدخل المتعاطي في حالة من الفصام القسري والشكوك المرضية العنيفة؛ فهو لا ينفذ الجريمةً بوعيه التقليدي، بل ينفذها تحت تأثير دافع وهمي قهري يجعله يستبيح الدماء بلا تردد ولا رادع ضميري. ومن الناحية الدينية، تجسد هذه الممارسات أقصى صور الانحراف عن مقاصد الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ العقل والنفس على رأس الكليات الخمس، واعتبرت كل ما يذهب العقل رجساً يؤدي بالضرورة إلى إشاعة الفساد وسفك الدماء المعصومة وخراب البيوت والأسر، فمن ضيع عقله فقد ضيع دينه وإنسانيته وأصبح أداة قتالة وهدامة في وجه مجتمعه وأقرب الناس إليه. أما على الصعيد القانوني والأمني، فإن العبء يبدو مضاعفاً في مواجهة شريحة الأرباب والخارجين عن القانون الذين يجمعون بين السجل الإجرامي المتكرر والهروب من وجه العدالة وتعاطي هذه السموم، مما يتطلب مراجعة حازمة للتشريعات وتغليظ العقوبات لتصل إلى أقصى درجات الرادع العام والخاص، إلى جانب تشديد القبضة الأمنية وتظافر الجهود المجتمعية لحماية الأرواح المعصومة وصون الأسر والعشائر من التفكك والجلاء، كي لا تكرر الفاجعة وتبقى كرامة الإنسان وحقه في الحياة والعيش الآمن مصانين فوق كل اعتبار.