أ. د. اخليف الطراونة : مبارك يا مهندس سيف… وبين غربتين أربعون عامًا من الحلم
اليوم، أزفّ إلى ابني وحبيبي المهندس سيف أصدق التهاني وأطيب المباركات بمناسبةتخرجه في الهندسة المدنية من جامعة فلوريدا أتلانتك. إنها لحظة يختلط فيها الفخربالشكر، والفرح بالامتنان، ليس لأنك نلت شهادةً جامعية فحسب، بل لأنك أنهيت رحلةًطويلة من الجد والاجتهاد، والصبر والثبات، بعيدًا عن أهلك ووطنك، لتثبت أن الإرادةالصادقة قادرة على تحويل الغربة إلى نجاح، والتحديات إلى إنجاز.
وأنا أتابع سنوات غربتك، كنت أراك ترسم خطواتك بهدوء وثقة، وتتقدم نحو هدفكدون ضجيج، فأستعيد في كل محطة شيئًا من رحلتي قبل أكثر من أربعين عامًا، حينكنت طالبًا في الولايات المتحدة الأمريكية أسعى إلى نيل درجة الدكتوراه. يومها أدركتأن الغربة ليست ابتعادًا عن الوطن، بل اقترابًا من الذات، وأنها لا تصنع الشهاداتوحدها، بل تصنع الرجال.
واليوم، وأنا أراك تعود متسلحًا بالعلم، أشعر أن الزمن قد أكمل دورته؛ فما عشتهبالأمس ابنًا بارًا بوالدي رحمه الله، أعيشه اليوم أبًا لابني الغالي سيف. وما كان حلمًاشخصيًا قبل عقود، أصبح اليوم فرحةً لا تضاهيها فرحة، لأن نجاح الأبناء يبقى أعظمإنجاز يعيشه الآباء.
يا بني…
لقد منحتك الجامعة شهادةً في الهندسة، أما الحياة فستمنحك كل يوم امتحانًا جديدًا. وستكتشف أن النجاح الحقيقي لا يبدأ من لحظة التخرج، بل من قدرتك على المحافظةعلى مبادئك حين تتزاحم المغريات، وعلى الثبات على قيمك مهما تبدلت الظروف.
وأنت تدخل معترك الحياة، اجعل رضا الله سبحانه وتعالى غايتك، واستقامة الخلقعنوانك، والأمانة نهجك، والإتقان أسلوبك. وتمسّك بالعلم، ولا تتوقف عن التعلم،فالعالم يتغير بسرعة، ولن يحافظ على مكانه إلا من جعل المعرفة رحلةً لا تنتهي.
وتذكّر دائمًا أن الهندسة ليست بناء الجسور والطرقات والمباني فحسب، بل هي بناءالثقة، وإعمار الأرض، وصناعة الأمل. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، وإنما تُبنىبالعقول التي تخطط، والضمائر التي لا تخون، والأيدي التي تتقن. فاجعل لكل مشروعتشارك فيه رسالة، ولكل إنجاز تحققه قيمة، ولتكن بصمتك مقرونة بالإخلاص قبلالإبداع.
واعلم أن الإنسان قد يسافر طلبًا للعلم، لكنه لا يغادر وطنه من قلبه أبدًا. سيبقى الأردنوطنًا نعشقه ونحمله معنا حيثما كنا، ونبقى أوفياء لأهله، معتزين بقيادته الهاشمية،مؤمنين بأن خدمة الوطن شرف، وأن رد الجميل له يكون بالعمل الصادق، والكفاءة،والنزاهة.
إني أتوسم فيك الخير كله، وأن تكون قدوة حسنة بين أقرانك، وسفيرًا مشرّفًا لوطنك،وأن تجعل من علمك رسالة، ومن نجاحك مسؤولية، ومن أخلاقك عنوانًا يعرفك الناسبه قبل اسمك
أسأل الله أن يبارك عمرك، وأن يفتح لك أبواب الخير، وأن يوفقك في كل خطوة، وأنيجعلك ممن يعمرون الأرض بالعلم، ويزينون الحياة بالأخلاق، ويرفعون اسم الأردنعاليًا أينما كانوا.
ألف مبارك يا مهندس سيف…
سر على بركة الله، ولا تنسَ أن التخرج نهاية مرحلة، لكنه بداية رسالة. ورسالتك أكبر منوظيفة، وأسمى من منصب، وأبقى من لقب. فابنِ وطنك كما ستبني الجسور، وابنِالإنسان كما ستبني العمران، واجعل اسمك يُكتب دائمًا حيث تكون الأمانة، ويكونالإتقان، ويكون الخير.
حفظك الله يا حبيبي، وأدام عليك نعمة العلم، ورزقك التوفيق والسداد، وجعلك قرةعينٍ لنا، وفخرًا لوطنك وأمتك.