جغرافيا الأوطان ليست للبيع المؤجل،، ما وراء “الدونمات العشرة” في قانون الملكية العقارية
خليل النظامي
في غمرة السجال العام الذي رافق مناقشة مشروع قانون الملكية العقارية، انصبت اهتمامات الشارع الأردني، ومعها مداولات النخب السياسية والإعلامية على تفاصيل تبدو في ظاهرها الأكثر مساسا بـ الواقع اليومي والمتمثلة بـ قيمة التعويض، والربع القانوني وحقوق نزع الملكية لـ المنفعة العامة،،
وفي ظاهر الأمر هو انشغال مشروع وتلقائي، فـ المواطن الطبيعي بطبعه يبحث عن امانة المالي المباشر، ويتساءل عن مصير أرضه وعن التعويض العادل إذا ما شقت الدولة طريقا أو سكة حديد،،، بيد أن القراءة العميقة لـ التشريعات الاستراتيجية تتطلب منا أن نرفع أنظارنا عن التفاصيل المالية العابرة ونحدق في عمق الجغرافيا الوطنية،،،
والمصيبة الحقيقية هنا لا تكمن في قيمة التعويض الذي قد يقل أو يكثر، بل في الارض ذاتها،، الأرض التي إذا ما غادرت ملكيتنا وهويتها التخطيطية اليوم، قد نكتشف بعد عقدين من الزمن أننا فقدناها إلى الأبد، وفقدنا معها القدرة على رسم ملامح بلدنا،،
الى ذلك، تكمن العقدة الحقيقية في التعديل الذي يتيح لـ غير الأردني تملك ما يصل إلى عشرة دونمات خارج حدود التنظيم لغايات السكن الخاص، مع نقل صلاحية الموافقة من مجلس الوزراء إلى الوزير المختص تحت شعار تبسيط الإجراءات وتسهيلاً للاستثمار والحد من البيروقراطية،،،
من جهتها تدافع الحكومة عن هذا التعديل باعتباره إجراء إداريا وتنظيميا بحت، يهدف إلى الإجرائي البارد تنشيط السكن الريفي والتخلص من عبء الاستثناءات، لكن هذا التفسير الإجرائي البارد يغفل عن السؤال السيادي الأهم:
ماذا تعني الأرض الواقعة “خارج التنظيم” بـ النسبة لـ دولة كـ الأردن,,!!!!؟
ومفهوم “خارج التنظيم” في القاموس الاستراتيجي لا يعني فضاء جغرافياً ميتاً أو أراضاًمهملة تبحث عمن يحييها، فـ هذه المساحات الشاسعة هي الرئة التي يتنفس منهامستقبل الأردن، وهي الاحتياطي الاستراتيجي لـ التوسع العمراني القادم، ومخزونالأمن الغذائي والزراعي الشحيح أصلا، وهي ممرات المياه الطبيعية، ومسارات الطرقالحيوية، والحدود الفاصلة بين التخطيط المحكم والعشوائية العمرانية المدمرة،،
وحين تمنح الدولة ترخيصا بـ التملك داخل التنظيم، فإنها تبيع عقارا في مساحة محددة سلفا، مرسومة الشوارع، وواضحة المعالم والكثافة والاستعمالات،،
أما حين تفتح الباب لـ التملك خارج التنظيم، فهي لا تبيع مجرد قطعة أرض؛ بل تتنازل طواعية عن مرونة التخطيط الاستراتيجي، وتقيد الأجيال القادمة عن تقرير شكل البيئة التي ستعيش فيها وحجم الموارد المتاحة لها،،،
والقضية هنا أبعد ما تكون عن موقف “شوفيني” أو تحريض ضد “الأجنبي” بـ وصفه جنساً أو هوية، فـ المستثمر غير الأردني قد يكون في كثير من الأحيان أكثر إنتاجية وحرصاً على الأرض من مالك محلي يتركها لـ المضاربة العقارية،،
وكيف يمكن لـ الدولة أن تضمن ألا تتحول هذه الملكيات الفردية إلى جيوب جغرافية متجاورة تحتكرها عائلات أو جهات بعينها..!!؟ وهل نملك سقفاً واضحاً لـ نسب التملك الأجنبي في القرية الواحدة..!!؟ وأين هي الخرائط التفاعلية السنوية التي ترصدلـ الرأي العام مؤشرات هذا التركز..!!؟ وما الذي يمنع هذا “السكن الخاص” من التحول لاحقاً عبر ثغرات القوانين إلى مشاريع تجارية أو سياحية تفرض واقعا جغرافياً جديداً يعجز القانون عن إزالته،،!!!؟
بـ المقابل، الحكومة تقول مطمئنة المواطنين إن المناطق الحدودية والأثرية محصنة بـالاستثناءات، وإن سقف العشرة دونمات كفيل بـ الحماية، لكن الحماية الحقيقية لاتتحقق بوضع حدود رقمية لـ المشتري الفرد، بل بوضع سقوف لـ المنطقة بكاملها،،
فـ التشريع الحالي يعاني من ثغرة فلسفية واضحة؛ إذ يتعامل مع كل طلب تملك كـمعاملة فردية مستقلة معزولة في ملف إداري، دون أن يقيس الأثر التراكمي لـ عشرات أو مئات الطلبات على طبيعة وتركيبة المنطقة بـ أسرها، والدولة تنظر إلى المشتري والعقار الحاضر والمطلوب منها أن تنظر إلى الخريطة الكلية بعد عشرين عاما،،
ومن المعروف ان الأردن بلد محدود المساحة الصالحة لـ الحياة والزراعة، وشحيح المياه المياه بشكل حرج، ويمر بنمو سكاني متسارع، وعليه، فإننا لا نملك ترف التعامل معاً لجغرافيا بوصفها سلعة قابلة لـ التداول دون سقف أو نفاذ، ومن جهة أخرى فالاستثمار ضرورة وكسر القيود البيروقراطية مطلب حتمي، ولكن ليس على حساب الثوابت الجغرافية لـ المستقبل،،
فضلا عن أن التعويض المالي يمكن تعديله، والقرارات الإدارية يمكن الطعن فيها أو التراجع عنها بجرة قلم، أما الأرض فإذا ما بيعت وتغيرت طبيعتها التخطيطية والاجتماعية فلن تعود أبدا،،
ولهذا،، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي لـ المشرعين والسعادة النواب أن يضعوها امام الحكومة قبل إقرار هذا النص ليس كم دونما نسمح لـ غير الأردني بتملكها..!!!؟
بل هو، ما مقدار الأرض التي نملك حق التصرف بـ مستقبلها..!!؟ وما حجم الصلاحيات التي يجوز لنا انتزاعها من الأجيال القادمة وتركها لـ قرارات السوق ومصالح المشترين،،!!؟
فـ الأرض التي تباع اليوم لا تخرج من سجل الملكية وحده، بل قد تخرج معها قدرة الأردنيين غدا على اختيار شكل قراهم ومدنهم، وحماية زراعتهم، وتحديد مستقبل جغرافيتهم .