حين يصبح الكفؤ في المكان الخطأ.. كيف تخسر المؤسسات والدول طاقاتها الصامتة؟
د.كايد التخاينة
في كثير من المؤسسات، لا تكمن المشكلة الحقيقية في غياب الكفاءات، بل في سوءتوظيفها فقد تمتلك المؤسسة أشخاصًا ذوي خبرات عالية، ورؤية متقدمة، وسجلًامهنيًا ناجحًا، لكنها تضعهم في مواقع لا تتناسب مع قدراتهم أو تخصصاتهم أو طبيعةشخصياتهم القيادية. وهنا تبدأ واحدة من أخطر الأزمات الإدارية الصامتة: “وضعالرجل المناسب في المكان غير المناسب”.
هذه الظاهرة لا تقل خطورة عن تعيين غير المؤهلين، بل قد تكون أشد ضررًا، لأنهاتؤدي إلى إهدار الكفاءات وإطفاء روح المبادرة داخل المؤسسات، وتحويل الطاقاتالمنتجة إلى عناصر محبطة أو معطلة.
إن الإدارة الحديثة لا تقيس النجاح فقط بوجود الكفاءات، وإنما بقدرتها على توجيههذه الكفاءات نحو المواقع التي تستطيع فيها تحقيق أعلى قيمة مضافة. فالقائدالناجح في العمل التنموي قد يفشل في موقع بيروقراطي جامد، والخبير المالي المتميزقد يخسر تأثيره إذا وضع في موقع بعيد عن صناعة القرار، فيما قد يتحول الإداريالمبدع إلى موظف تقليدي إذا حُرم من البيئة التي تسمح له بالإبداع والابتكار.
وعندما تتكرر هذه الاختلالات داخل المؤسسات، فإن آثارها تمتد إلى الاقتصاد الوطنيبأكمله، فالمؤسسات التي لا تحسن استثمار مواردها البشرية تصبح أقل إنتاجية، وأكثربطئًا في اتخاذ القرار، وأضعف قدرة على التطوير والتنافسية. كما تتراجع فيها الكفاءةالتشغيلية، ويرتفع الهدر المالي والإداري، وتزداد النزاعات الداخلية والصراعاتالتنظيمية.
الأخطر من ذلك أن الموظف الكفؤ حين يشعر بأنه في المكان الخطأ، يفقد تدريجيًاالحافز والانتماء. ومع الوقت، تتحول الخبرة إلى عبء نفسي، ويصبح العمل مجردالتزام وظيفي خالٍ من الشغف. وهنا تخسر المؤسسة أهم عناصر النجاح: الولاءالمؤسسي وروح المبادرة.
ولعل ما يزيد خطورة هذه الظاهرة أن أسبابها غالبًا لا تكون مهنية، بل ترتبط أحيانًابالمجاملات، أو المحسوبيات، أو سوء التقدير الإداري، أو الخوف من بروز الكفاءات. ففي بعض البيئات الإدارية يتم إبعاد الشخصيات القوية أو المبدعة عن المواقعالمؤثرة خشية منافستها، أو يتم تدوير الكفاءات في مواقع هامشية لا تستثمر خبراتهاالحقيقية وهكذا تصبح المؤسسة ضحية لثقافة إدارية تخشى النجاح بدل أن تصنعه.
اقتصاديًا، تؤدي هذه الممارسات إلى إضعاف التنمية وعرقلة الاستثمار ورفع كلفةالإدارة العامة فالمؤسسات غير الكفؤة تستهلك موارد أكبر لتحقيق نتائج أقل، كما أنهاتفقد ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء.