بطلان تنازل العامل عن حقوقه المالية في التشريع الأردني

15

أ. المحامي فيصل اخليف الطراونة

تُعدّ الحقوق العمالية من أبرز مظاهر الحماية التشريعية التي كرّسها قانون العملالأردني تحقيقًا للتوازن في العلاقة بين العامل وصاحب العمل، باعتبار أن هذه العلاقة لاتقوم ـ في الأصل ـ على مساواة فعلية في المركز الاقتصادي أو التفاوضي بين طرفيها. ومن هذا المنطلق، اتجه المشرّع إلى إحاطة العامل بجملة من الضمانات القانونيةذات الطبيعة الآمرة، بما يحول دون الانتقاص منها أو الالتفاف عليها تحت أي صورة منالصور.

وفي هذا الإطار، استقر التنظيم التشريعي في قانون العمل الأردني على مبدأ جوهرييتمثل في بطلان أي تنازل يصدر عن العامل من شأنه المساس بالحقوق التي قررهاالقانون لمصلحته، سواء ورد هذا التنازل ضمن عقد العمل، أو في اتفاق لاحق، أو فيصورة مخالصة مالية تُوقّع عند انتهاء علاقة العمل.

وتستند هذه الحماية إلى الطبيعة الخاصة لقواعد قانون العمل، بوصفها من القواعدالآمرة المتعلقة بالنظام العام، الأمر الذي يترتب عليه عدم جواز الاتفاق على ما يخالفالحد الأدنى من الحقوق والضمانات التي أوجبها المشرّع للعامل. وعليه، فإن إرادةالعامل ـ ولو كانت صريحة ـ لا تُنتج أثرها القانوني متى انصرفت إلى التنازل عن حقتقرره النصوص الآمرة، لأن الحماية التشريعية في هذا المجال لا تستهدف حمايةمصلحة فردية مجردة، وإنما ترمي كذلك إلى حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصاديوتحقيق العدالة في علاقات العمل.

وتتجلى أهمية هذا المبدأ بصورة واضحة في المخالصات المالية التي يوقّعها بعضالعمال عند انتهاء خدمتهم، والتي تتضمن ـ في كثير من الأحيان ـ عبارات عامة تفيدباستلام العامل لكافة مستحقاته المالية وإبراء ذمة صاحب العمل إبراءً شاملاً ونهائيًا. ورغم ما قد توحي به هذه العبارات من حجية قانونية، إلا أن القضاء الأردني استقر فيالعديد من أحكامه على أن هذه المخالصات لا تحول دون حق العامل في المطالبة بأيحقوق عمالية ثبت عدم استيفائها فعليًا، متى كانت تلك الحقوق مقررة بموجب القانونولا يجوز التنازل عنها.

ومن ثمّ، فإن حجية المخالصة المالية في نطاق علاقات العمل ليست حجية مطلقة،وإنما تخضع لرقابة القضاء من حيث مدى توافقها مع أحكام قانون العمل والنصوصالآمرة فيه. فالعبرة لا تكون بمجرد التوقيع الشكلي على الإقرار أو المخالصة، وإنمابحقيقة الحقوق التي استوفاها العامل فعليًا، ومدى توافر الإرادة الحرة غير المشوبةبالضغط أو الحاجة أو عدم التكافؤ الاقتصادي.

وفي التطبيق العملي، كثيرًا ما يثور النزاع القضائي بعد انتهاء علاقة العمل، عندما يعودالعامل للمطالبة ببدل العمل الإضافي أو الإجازات السنوية أو مكافأة نهاية الخدمة أوغيرها من الحقوق، رغم توقيعه على مخالصة نهائية. وهنا تتجه المحاكم إلى بحثأصل الحق ومدى استحقاقه قانونًا، دون أن تعتبر المخالصة مانعًا مطلقًا من سماعالدعوى، متى ثبت أن الحقوق المطالب بها تدخل ضمن نطاق الحماية القانونيةالمقررة للعامل.

ويُستفاد من ذلك أن الحماية التي قررها المشرّع للعامل لا تقوم على افتراض انعدامالإرادة لديه، وإنما على إدراك حقيقة التفاوت القائم في مراكز القوى بين طرفي العلاقةالعمالية، وما قد يترتب على هذا التفاوت من استغلال اقتصادي أو عملي يدفع العاملإلى التنازل عن حقوقه تحت وطأة الحاجة أو خشية فقدان مصدر رزقه.

وعليه، فإن بطلان تنازل العامل عن حقوقه المالية لا يُعد خروجًا على مبدأ سلطانالإرادة بقدر ما يُمثل قيدًا تشريعيًا مشروعًا فرضته اعتبارات العدالة الاجتماعيةومتطلبات حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية، بما ينسجم مع الوظيفةالاجتماعية لقانون العمل وأهدافه في تحقيق الاستقرار المهني والاقتصادي.

ومن هنا، فإن أي معالجة قانونية للمخالصات العمالية يجب أن تنطلق من مبدأ أساسيمفاده أن حقوق العامل المقررة بموجب القانون ليست محل مساومة أو إسقاطبالإرادة المنفردة، وإنما هي ضمانات تشريعية ذات طبيعة حمائية، تستمد قوتها مناتصالها بالنظام العام الاجتماعي الذي حرص المشرّع على صيانته وحمايته. الراي

قد يعجبك ايضا