كلفة الحرب: سوق العمل والفقر تحت ضغط غير مسبوق
د.رعد محمود التل
إذا كانت المؤشرات الكلية تعكس حجم الصدمة الاقتصادية، فإن سوق العمل والفقر يكشفان عمق الأثر الاجتماعي المباشر للحرب. تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائيتشير إلى أن معدل البطالة –ومع استمرار وقع الحرب– في الدول العربية سيرتفع بين1.8% و4%، ما يعادل فقدان ما بين 1.61 إلى 3.64 مليون وظيفة خلال فترة قصيرة. هذه الأرقام يجب فهمها في سياق أعمق، حيث يعاني سوق العمل العربي أصلاً مناختلال مزمن، إذ يدخل إليه سنوياً نحو 2.8 مليون شخص، في حين لا يتم خلق أكثر من2.5 مليون فرصة عمل في الظروف الطبيعية، ما يعني أن الحرب تمحو فعلياً أكثر منسنة كاملة من القدرة على توليد الوظائف.
التوزيع الجغرافي لفقدان الوظائف ايضاً يعكس تفاوتاً واضحاً في التأثير، إذ تشيرالتوقعات لتحمل دول الخليج النصيب الأكبر بخسارة تتراوح بين 1.17 و 3.11 مليونوظيفة، تليها دول المشرق بنحو 320 ألف وظيفة، ثم شمال أفريقيا بحوالي 60 ألفوظيفة بحسب التقرير. ورغم أن الأرقام المطلقة أكبر في الخليج، إلا أن التأثير النسبيفي الدول ضعيفة النمو أكثر حدة بسبب ضعف اقتصاداتها وقدرتها المحدودة علىامتصاص الصدمات.
اللافت وحسب التوقعات أن هذه الصدمة لا تصيب جميع فئات العمالة بنفس الدرجة،حيث ترتفع البطالة بين العمالة غير الماهرة بمقدار 3 – 4.5 نقاط مئوية، مقارنة بارتفاعيتراوح بين 2.5 و 3.5 نقاط مئوية للعمالة الماهرة. هذا التفاوت يعكس هشاشةالقطاعات كثيفة العمالة مثل السياحة والخدمات والتجارة، والتي تعد الأكثر تأثراًبالاضطرابات الأمنية وتعطل حركة النقل. في هذا السياق، تعرض قطاع السياحة لضربةمباشرة، خاصة في دول مثل الأردن ومصر، حيث أدت اضطرابات الطيران وتراجعالحركة الجوية بنسبة تقارب 40% إلى إلغاءات واسعة خلال موسم الذروة، ما انعكسفوراً على الإيرادات وفرص العمل.
في دول الخليج، يتخذ الضغط على سوق العمل بعداً مختلفاً، نظراً لاعتماد هذهالاقتصادات على العمالة الوافدة التي تمثل أكثر من 40% من إجمالي القوى العاملة،أي ما يزيد عن 30 مليون عامل. أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في الاستثمار ينعكسمباشرة على هذه العمالة، ما يهدد استقرارها الوظيفي ويؤثر بالتبعية على تدفقاتالتحويلات المالية إلى الدول العربية، وهو ما يربط بشكل مباشر بين البطالة والفقر.
في جانب الفقر، تشير التقديرات إلى ارتفاع معدلاته بنسبة تتراوح بين 0.7% و1%، مايعني دخول ما بين 3.05 و 3.96 مليون شخص إضافي تحت خط الفقر. يتركز نحو 75% من هذه الزيادة في دول المشرق، بما يعادل 2.85 – 3.29 مليون شخص، في حينتتراوح الزيادة في شمال أفريقيا بين 137 ألفاً وإلى 560 ألفاً، وفي الدول الأقل نمواً بين59 ألف إلى 103 آلاف. في هذه الدول تحديداً، تصل الزيادة في معدلات الفقر إلى مابين 4.45% و5.15%، وهي قفزة كبيرة تعكس هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية.
هذا التوسع في الفقر يرتبط بشكل وثيق بارتفاع الأسعار، خاصة في الغذاء والطاقة. فقدارتفعت أسعار الأسمدة بما يتراوح بين 60 و 90 دولاراً للطن، مع زيادات تصل إلى25% في بعض الأسواق، ما يرفع تكلفة الإنتاج الزراعي ويهدد بارتفاع أسعار الغذاء. ويزداد هذا التأثير حدة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، التي تنعكس على تكاليف النقلوالإنتاج، ما يؤدي إلى موجة تضخمية تضرب أساساً قدرة الأسر على الاستهلاك، خاصةأن الغذاء يمثل بين 30% و50% من إنفاق الأسر في العديد من الدول العربية.
ولا يمكن إغفال دور التحويلات المالية، التي تمثل ركيزة أساسية في اقتصادات عدةدول، إذ تشكل نحو 33% من الناتج في لبنان، و8- 9% في الأردن، و6 – 8% في مصر. أي تراجع في هذه التحويلات نتيجة تباطؤ أسواق العمل في الخليج سيؤدي إلىانخفاض مباشر في دخول الأسر، ما يعمق دائرة الفقر ويزيد من هشاشة الاقتصادالمحلي. كل تلك التقديرات والأرقام تظهر أن الحرب لا تخلق أزمة اقتصادية فقط، بلأزمة اجتماعية مركبة تضرب سوق العمل وترفع الفقر وتضغط على مستويات المعيشةفي وقت واحد، وهو ما يجعل التعافي أكثر تعقيداً وطولاً.