العمال في زمن الأزمات معركة البقاء اليومية
سارة طالب السهيل
“بين البطالة والتقشف، وبين الحرب والوباء، يظل العامل أول من يدفع الثمن، وأولمن يجب أن يُفكر فيه. من غزة إلى جنوب لبنان، ومن الخرطوم إلى القاهرة، قصصصامتة عن صمود يومي في معركة البقاء.“
في كل عام، مع حلول ذكرى عيد العمال، أعود لأكتب عنهم. ليس عادةً صحفية، بللأنني لا أستطيع أن أراهم مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار. أكتب عنهم لأنهم فيصميم كل إنجاز، وخلف كل أزمة، وأول من يبني حين يستقر العالم، وأول من يتأثر حينتهتز الأرض. وربما لهذا أكتب… لأنني لا أستطيع أن أتجاهل هذه الحكايات التي تُعاشبصمت.
تبدأ الأزمات الكبرى دائمًا من الحلقة الأضعف في الاقتصاد: ساعات العمل والدخل. إماأن تتقلص الساعات فلا تكفي للعيش، أو يُسرَّح العمال فجأة بين ليلة وضحاها. وفقًالتقرير منظمة العمل الدولية «World Employment and Social Outlook – Trends 2025» الصادر في يناير 2025، استقر معدل البطالة العالمي عند 5% في عام 2024،مع نمو التوظيف بما يتماشى مع نمو القوى العاملة. لكن هذا الاستقرار يخفي واقعًاأقسى: انتشار الوظائف غير الرسمية، عودة الفقر في العمل إلى مستويات ما قبلالجائحة، وصعوبة خلق وظائف لائقة، خاصة للشباب (حوالي 12.6%) والنساء. ولا تزالمعدلات التشغيل دون التعافي الكامل في مناطق كثيرة.
الأسوأ أن آثار هذه الصدمات لا تمحى بسرعة؛ فقد تمتد لسنوات، بل لعقد كامل كماحدث بعد أزمة 2008. والأكثر تضررًا هم الفئات الأقل حماية: الشباب، أصحاب الأجورالمنخفضة، العاملون بعقود مؤقتة، والمهاجرون. أما النساء فيتحملن عبئًا مزدوجًا فيالقطاعات غير الرسمية والأعمال المنزلية غير المدفوعة، خاصة في أوقات الأزمات.
أمام هذا المشهد، برزت آليات مثل «العمل قصير الوقت» (Kurzarbeit) كحل مؤقتناجح نسبيًا. يُخفّض هذا النظام ساعات العمل مع تعويض جزئي عن الأجر المفقود،بهدف تجنب التسريح الجماعي. طبّقت ألمانيا هذا النظام بفعالية خلال جائحة كورونا،فأنقذت ملايين الوظائف. لكن هذه السياسات تتطلب دولة قوية اقتصاديًا قادرة علىالإنفاق، وهو ما لا تملكه كل الدول.
في المقابل، تلجأ بعض الحكومات إلى سياسات تقشف قاسية: تجميد الأجور أوتخفيضها، أو زيادة ساعات العمل الفعلية دون أجر إضافي. هنا يتجاوز السؤالالاقتصادي ليصبح أخلاقيًا: كيف يُطلب من عامل لم يصنع الأزمة أن يدفع ثمنها، فيعملأكثر ويأخذ أقل، أو يُشكر لأنه لا يزال لديه عمل؟
وفي الأوبئة، كما كشفت جائحة كورونا، تحول العاملون في الخطوط الأمامية (من أطباءإلى عمال نظافة) إلى دروع بشرية، يدفعون ثمنًا نفسيًا هائلاً من القلق والإرهاقوالعزلة. أما من بقوا في منازلهم، فعاشوا خوف الانتظار وعدم اليقين. ولا ننسى أنالأزمات المستقبلية، مثل التغير المناخي، ستضرب العمال الزراعيين والفقراء الأكثرتضررًا في المنطقة العربية.
القوانين، نظريًا، تحمي العامل، لكن الأزمات تفضح حدودها. بعض التشريعات تسمحبتعديل ساعات العمل والأجور أثناء الطوارئ، فيصبح العامل رهينة «القوة القاهرة». كما كشف العمل عن بعد هشاشة النظم القانونية التي لم تكن مستعدة لتنظيم حقوقالعامل داخل منزله.
والتكنولوجيا تفتح أبوابًا جديدة، لكنها تخلق في الوقت ذاته هشاشة: عامل بلا عقد وبلاضمان اجتماعي. وفي العالم العربي، حيث البنية الرقمية محدودة في كثير من الدول،تتضاعف الفجوة.
إذا كان العامل في الدول الغنية يعاني، فما بالك بالعامل العربي؟ في لبنان، أدى الانهيارالاقتصادي منذ 2019 إلى فقدان نسب كبيرة من الوظائف وتآكل الرواتب بفعلالتضخم، مع ارتفاع بطالة الشباب إلى نحو 48% في ذروة الأزمة (2022). في مصر،يعمل نحو 67% من العمال في القطاع غير الرسمي دون حماية اجتماعية كاملة. أما فيتونس، فتظل بطالة الشباب مرتفعة عند حوالي 38-39% حسب التقديرات الأخيرة. وفي دول الخليج، يعيش ملايين العمال المهاجرين تحت أنظمة تجعلهم أكثر عرضةللهشاشة في كل أزمة.
لكن الأرقام لا تحكي القصة كامل.
القصة الحقيقية أن العامل العربي لا يسقط مرة واحدة، بل يقاوم كل يوم. يستيقظ،يعمل، يتحمل… لا لأنه بخير، بل لأنه لا يملك خيارًا آخر. وهكذا يتحول إلى بطل في فيلمأزمات لا ينتهي، يحاول أن يحفظ كرامته قبل راتبه.
حلول بديلة واقعية ومستدامة
إلى جانب الإصلاحات الهيكلية التقليدية، هناك حلول بديلة أثبتت نجاحها في سياقاتمشابهة ويمكن تكييفها مع الواقع العربي. أولها: برامج التأمين الاجتماعي المرنةللعمال غير الرسميين، مثل نماذج «التأمين الطوعي المدعوم» التي طبقتها بعضالدول في أمريكا اللاتينية، حيث تساهم الدولة بنسبة جزئية من الاشتراكات مقابلتدريب مهني. ثانيًا: صناديق دعم الريادة المجتمعية الممولة من خلال شراكات بينالقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، تركز على المشاريع الصغيرة الخضراءوالرقمية (مثل التجارة الإلكترونية أو الزراعة الذكية). ثالثًا: برامج «التدريب المزدوج» (التعليم والتدريب المهني مع الشركات) كما في ألمانيا والنمسا، والتي يمكن تطبيقهابالتعاون مع قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا في الدول العربية لربط الشباببسوق العمل مباشرة. وأخيرًا، إصلاح تدريجي لأنظمة الكفالة في دول الخليج لمنح العمال المهاجرين حقوقًا أفضل في التنقل والحماية، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي للجميع .
في النهاية، تكشف الأزمات حقيقة قاسية: العمال هم «العمود الفقري» للاقتصادالذي يتحمل الصدمات أولاً. حمايتهم ليست صدقة، بل استثمار في الاستقرارالاجتماعي والاقتصادي. المجتمعات التي تهمل «الحلقة الأضعف» تدفع ثمنًا أكبرلاحقًا: اضطرابات، هجرة، فقر متراكم، وانخفاض إنتاجية.
العامل الذي كان يحسب أيامه براتبه، بات يحسبها اليوم بقدرته على الصمود. آن الأوان لأن يحصل على أكثر من تعاطف سنوي في عيد العمال؛ يحتاج إلى أنظمة اقتصادية تولد فرصًا حقيقية ومستدامة.الرأي