الأردن .. التمرد على الضرورات

16

مكرم احمد الطراونة

في خضم أمواج الإقليم العاتية، وأثرها الكبير على الأردن، يقفز سؤال لا يمكن تلافيه،وهو: هل يبقى الأردن دولة محكومة بالضرورات، وتُدار وفق ضغوط الخارج، أم آنالأوان لتعزيز دورها بفاعلية وحضور أكبر؟

السؤال يمثل مدخلًا لفهم وضع الدولة اليوم في بيئة تختلف فيها الأولويات، وتشهدإعادة صياغة لموازين القوى، وربما لطبيعة التحالفات التي يتوجب أن يتم بناؤها فيالمرحلة المقبلة.

استدعاء التاريخ الحديث يؤكد تموضع المملكة في شبكة معقدة من التحديات،كالموقع الجغرافي الحساس، والارتباط المباشر بالقضية الفلسطينية، وأعباء لجوءمتواصلة، وصعوبات اقتصادية متصاعدة، ما جعلنا دولة قادرة على التكيف وصدالصدمات والتحديات المفروضة علينا، لكننا لسنا دولة متفرغة بشكل كلي للتخطيطوالبناء والتطور.

في دولة مثل الأردن، تصبح الأولويات انعكاسًا لما يُفرض من الخارج، لا لما يُبنى فيالداخل. ورغم ذلك لا يمكن شرح التجربة الأردنية خلال السنوات الأخيرة باعتبارهامستجيبة دائمة للتطورات الخارجية، ففي محطات حساسة عديدة أظهرت قدرة كبيرةعلى الحفاظ على تماسكها الداخلي وتأثيرها الخارجي في بيئة شديدة التوتر، ما يعكسامتلاكها لبنية مؤسسية مستقرة ومتوازنة.

لكن السؤال أيضًا، وانطلاقًا من ذلك، هل تحول الاستقرار إلى غاية بحد ذاته، أم ما يزالوسيلة لبناء دور أكثر فاعلية، وبحث عن استغلال الفرص وصناعتها؟

الأردن لا يملك ترف تحويل كل التحديات إلى فرص، لكنه يمتلك قدرة واضحة على إدارةبعضها ضمن منطق “تعظيم الممكن” وليس “تحقيق المثالي”، فالموقع الجغرافي،مثلًا، يمكن أن يتحول من عبء جيوسياسي إلى مركز لوجستي إقليمي، وملف اللجوءالذي تخلى المجتمع الدولي عن مسؤولياته تجاهه، يمكن تحويله إلى “منصة شراكةمشروطة”، عن طريق ربط الدعم الدولي بمشاريع تنموية حقيقية في المجتمعاتالمستضيفة، بما يحول العبء إلى استثمار جزئي في البنية الاقتصادية المحلية.

ينبغي الالتفات إلى أهمية استثمار الاستقرار الداخلي في منطقة ملتهبة، بدلًا من بذلالجهد فقط في حمايته وضمان استدامته. لدينا القدرة على الانتقال من “إدارةالضرورة”، إلى “إدارة الفرصة”. اقتصاديًا يكون ذلك عبر إيجاد نموذج إنتاجي أكثر مرونةوقدرة على المنافسة، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية، ودعمالصناعات الخفيفة والتصدير، مع إصلاحات إدارية حقيقية، والسير في تنفيذ المشاريعالكبرى، وزيادة الإنفاق الرأسمالي القادر على توليد فرص عمل ورفع الناتج المحلي، كمايمكن العمل بشكل أفضل على جذب الاستثمارات الخارجية.

إعادة تعريف دورنا الجيوسياسي يمثل ضرورة قصوى في الوقت الراهن، بحيث نعملعلى أن نكون منصة ربط، وحلقة وصل بين دول الخليج والعراق وسورية ولبنان، معتنويع الشراكات، وليس الاعتماد على محور واحد، ولعب دور وسيط بدلًا من متلقٍللضغوط الإقليمية، ومنح القرار السياسي عمقًا مجتمعيًا، مع ضرورة التحول من سياسةنقل الخطاب الإعلامي، إلى صناعته وتوجيهه ضمن فضاء رقمي تتعدد فيه الرواياتوتتفاوت التأثيرات.

بالتأكيد ليس لدينا ترف الخروج من “محكومي الضروريات”، لكن نملك قدرة كافية علىتحويلها إلى أدوات قوة، فالدولة التي تمتلك خبرة في إدارة التوازنات، ليست عاجزة عنهذا التحول، لكننا في حاجة إلى البدء في وضع إستراتيجية لاستثمار ذات الإقليمالمضطرب، الذي عانينا من تبعاته لسنوات طويلة.الغد

قد يعجبك ايضا