الاقتصاد في زمن الأزمات: كيف تحافظ دولالخليج والأردن على الاستقرار؟
يزن بشير
تؤثر الحروب عادة على الاقتصاد العالمي، خصوصًا كالحرب الإيرانية الحالية، التي تسهم بشكل مباشر وغير مباشر ، في تكبد العالم خسائر اقتصادية في عدة قطاعات،مثل: النفط والغاز، سلاسل التوريد، السلع، وأسعار المعادن . ولعل الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون لدول الخليج والأردن، هي عامل أساسي لتأثر الاقتصاد العالمي ، حيث تعتبر المنطقة حيوية وبها مضائق وممرات بحرية، وتعتبر جسرًا للتجارة العالمية بين المشرق والمغرب، فمضيق هرمز وحده يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يوميًا، أي ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، فارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع كلفة النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية، مما يعزز الضغوط التضخمية في وقت تحاول فيه البنوك المركزية حول العالم السيطرة على الأسعار، وإذا ترافق ذلك مع اضطراب في أسواق المال وتراجع ثقة المستثمرين فقد يتبطأ النمو العالمي بصورة ملحوظة.
ورغم تصاعد المخاطر التي تحيط باقتصادات دولال الخليج جراء حرب إيران، فإن لدىهذه الدول عوامل اقتصادية من شأنها أن تخفف وطأة هذه المخاطر،أبرزهاالاحتياطيات المالية القوية في المنطقة، بما في ذلك الأصول السيادية الكبيرة، إذ تُقدّرالأصول السيادية لصناديق الثروة الخليجية بأكثر من 3.5 تريليونات دولار،ما يجعلها منأكبر الاحتياطيات المالية في العالم. كما أن مستويات الدين العام في معظم دولالخليج لا تزال منخفضة نسبيًا مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، في حين تمتلكالحكومات احتياطيات نقدية كبيرة تتيح لها دعما للأسواق المحلية وتمويل أيإجراءات طارئة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. كما أن دول الخليج لديها أنظمة مصرفية جيدة، بجانب ارتباطها المستقر بالدولار، وهي عوامل من شأنها أن تخفف منالعبء الاقتصادي الكبير الناتج عن هذه الحرب. في حين أن المخاطر الرئيسية التي قدتحوم حول دول الخليج على المدى القريب بسبب الحرب قد تتمثل في ضغوطالسيولة، وتراجع الثقة،واختناقات التصدير أكثر من كونها ضعفًا في الميزانيات العمومية.
ولعلنا رأينا أخيراً الإحاطة الإعلامية لحكومة الإمارات، والتي أكدت خلالها أن الدولة تتمتع بمخزون استراتيجي للسلع الأساسية يغطي احتياجات الأسواق لفترة تتراوح بين4 و6 أشهر، ما يضمن توافر السلع الأساسية واستقرار الأسعار حتى في الظروفالطارئة، حيث تمتلك شبكة واسعة من الأسواق الشريكة التي تزودها بالواردات منمختلف السلع والمنتجات التي تحتاج إليها، ومثلها دول الخليج الأخرى.
وفي المملكة الأردنية الهاشمية، وبالرغم من محدودية الموارد الطبيعية مقارنة بدولالخليج، إلا أن المملكة تعتمد على منظومة متنوعة من مصادر الطاقة والإمداداتالغذائية، كما يُعد ميناء العقبة بوابة رئيسية للتجارة الأردنية، حيث تمر عبره نحو 65% من واردات المملكة، في حين توفر محطة الغاز المسال العائمة في العقبة القدرة علىاستيراد الغاز من الأسواق العالمية، وهو ما يمنح الأردن مرونة نسبية في التعامل مع أي اضطرابات إقليمية في إمدادات الطاقة. وبشأن المخزون الغذائي في الأردن، جاء تأكيدرئيس الوزراء الأردني جعفر حسان،بأن مخزون البلاد من المواد الغذائية الأساسيةوالتموينية والمواد الأولية، آمن وكافٍ لعدة شهور، وذلك رغم “محاولة إيران الفاشلة”إلحاق الضرر بمخزون القمح في بعض صوامع المملكة عبر اختراق إلكتروني استهدفنظام إدارة حرارة هذه الصوامع. كما برز تأكيد وزير الطاقة صالح الخرابشة، بأنمنظومة الطاقة الوطنية انتقلت للعمل وفق بروتوكول الطوارئ لضمان عدم انقطاعالتيار الكهربائي أو الغاز المنزلي، ليؤكد وقوف الحكومة بوجه ماقد يؤثر على الحياةاليومية للمواطنين، ووجود خطط طوارئ وقت الأزمات، كما يستند الأردن إلى“مصدات استراتيجية” تعتمد على تنويع المصادر، وهي الميزة التي تمنحه مرونةالتحرك، إذ يتوزع الاعتماد الأردني على عدة روافد هي الباخرة العائمة في العقبة التيتعد صمام الأمان لاستقبال الغاز المسال من الأسواق العالمية، إضافة إلى الشبكةالإقليمية ممثلة بالغاز المصري، والإنتاج المحلي المستقر من حقل الريشة.
ورغم الضغوط الاقتصادية التي قد تفرضها الحروب والتوترات الإقليمية على الاقتصادالعالمي، فإن التجربة تشير إلى أن الدول التي تمتلك احتياطيات مالية قوية، وتنوعًا فيمصادر الطاقة والغذاء، وخططًا فعالة لإدارة الأزمات، تكون أكثر قدرة على احتواءالصدمات وتقليل آثارها. وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج والأردن أكثر استعداداًللتعامل مع تداعيات الحرب، مستندةً إلى سياسات اقتصادية حذرة وبنى تحتية مرنة،وهو ما يعزز قدرتها على الحفاظ على استقرار الأسواق وضمان استمرار تدفق السلعوالخدمات الأساسية.
(مدير مكتب “تريندز” للبحوث والاستشارات – الأردن)*