ندوة في واشنطن حول الأردن..كيف نقدم رواية وطنية تخدم مصالحنا ؟
ندوة في واشنطن حول الأردن..كيف نقدم رواية وطنية تخدم مصالحنا ؟
د.ميساء المصري
شهدت واشنطن مؤخراً انعقاد ندوة بحثية استثنائية تمحورت حول كتاب “الأردن: السياسة في بوتقة غير متوقعة” للمفكر والأكاديمي شون يوم، وهي فعالية لافتة في توقيتها ورسائلها، لكونها تعبّر عن تغيّر في المزاج البحثي الأميركي تجاه الأردن، الحليف التقليدي والمستقر في منطقة مضطربة. فقد اعتاد الأردن على تلقي دعم أميركي ثابت، مقابل تقييمات هادئة وغير صاخبة لملف الحريات والديمقراطية. إلا أن تخصيص ندوة كاملة لتشريح الواقع السياسي الأردني من زاوية “السلطوية، والحريات، وتصدع الهوية الوطنية”، خصوصاً مع إشراك أردنيين مغتربين، يشير إلى انتقال هذا الملف من الهامش إلى الواجهة، بما يخلق تحدياً دبلوماسياً وفكرياً جديداً أمام عمّان.
البحث الأميركي الجديد يحاول إعادة تعريف السردية الأردنية انطلاقاً من خمسة محاور يركّز عليها كتاب شون يوم وهي الإرث الاستعماري في بناء الدولة. والتشكل المعقد للهوية الوطنية، وحدود التحول الديمقراطي، وعلاقة الدولة بالمجتمع. والدور الإقليمي للأردن كدولة محورية.
هذه المقاربة ، وإن كانت مهمة تحليلياً، إلا أنها تميل إلى تفسير الأردن من الخارج، أي عبر منظور يخلط بين المعايير والواقع دون الأخذ بالاعتبار النموذج السياسي الأردني القائم على توازنات حساسة بين الأمن والانفتاح، وبين التدرج والاستقرار.
في ضوء ما حملته الندوة التي عُقدت في واشنطن من رسائل واضحة، يبدو جليّاً أنها جزء من أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الولايات المتحدة للتأثير على البيئة السياسية الأردنية دون الدخول في مواجهة مباشرة. فالمداولات ركّزت على إبراز الاهتمام بملف الحريات، وتوجيه تلميح صريح بأن استمرار الدعم يستوجب مواصلة الإصلاحات، مع التأكيد على أن معايير الاستقرار لم تعد تقتصر على البعد الأمني، بل تشمل المشاركة السياسية والقدرة على توسيع الحيز العام. وفي هذا السياق يبرز سؤال سياسي مهم: هل تستهدف هذه الرسائل دفع الأردن نحو انفتاح أعمق فعلاً، أم أنها مجرد محاولة لإعادة ضبط المشهد السياسي بما يلائم الرؤية الأميركية ومصالحها؟
من الواضح أن الرد الدبلوماسي لن يكون كافياً، لأن السردية الجديدة التي تُبنى في مراكز الأبحاث الأميركية تتشكل على أساس دراسات وورش عمل وبدائل تحليلية، وليس عبر تصريحات رسمية. لذلك، فإن التعامل الأردني مع هذا التحول يحتاج إلى مقاربة ذكية ومتدرجة تقوم على أربعة مسارات رئيسية، هي تعزيز الإصلاحات المستمرة ولكن المحسوبة فالإصلاحات الانتخابية التي شهدها الأردن مؤخرا تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، وانعكس ذلك في تقارير دولية، أبرزها ما ورد في تقرير فريدوم هاوس 2025 الذي رفع تصنيف الأردن من (غير حر) إلى (حر جزئياً)، نتيجة تحسين التمثيل الحزبي وتوسيع قاعدة المشاركة.
هذه خطوة ينبغي البناء عليها من خلال، تطوير قانون الأحزاب وتعزيز استقلاليتها، وتوسيع دور الأحزاب داخل البرلمان، وإعطاء الحياة السياسية مضموناً فعلياً، وتوسيع مساحة التعبير المسؤولة.
وكذلك إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالتحدي الأكبر الذي يواجه الأردن ليس مستوى الحريات بحد ذاته، بل تراجع الثقة المتبادلة. ويستدعي ذلك فتح حوار وطني حقيقي يُشرك مختلف القوى الاجتماعية ودعم المؤسسات الوسيطة مثل النقابات والأحزاب كجسور بين الدولة والمواطن.
لا بد من المجتمع المدني وتشجيعه على العمل بشفافية وشراكة مع المؤسسات الرسمية.
وكذلك توضيح السياق الأردني للغرب، فمن المهم أن يرفض الأردن محاولات التسلل الناعم التي تستخدم ملف الحريات كآلية ضغط، دون إنكار وجود تحديات داخلية.
يجدر بنا شرح واقع الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تتعامل معها الدولة، وإبراز أن الإصلاح التدريجي هو خيار يحافظ على الاستقرار، ناهيك عن تفنيد الادعاءات التي تُقدم الأردن على غير حقيقته، عبر عرض أمثلة ملموسة على التحولات الجارية.
اننا امام ضرورة إنتاج خطاب حقوقي وطني حتى لا تُترك الساحة للروايات الخارجية. على الأردن أن يُقدّم وجهة نظره الحقوقية من خلال إصدار تقارير وطنية شفافة حول أوضاع الحريات وتعزيز دور المركز الوطني لحقوق الإنسان ومنحه قوة أكبر في الرقابة.
ان فتح البيانات الرسمية للباحثين والصحفيين يرسخ الثقة ويعزز المصداقية ولا يمكن اختزال ما يجري اليوم في مسألة تراجع للحريات كما يروج بعض الباحثين الأميركيين، بل يجب إعادة صياغة الرواية الأردنية على المستوى الدولي. فهناك محاولة لإعادة فهم دور الأردن وموقعه من خلال عدسة جديدة قد لا تنصف تعقيدات الواقع المحلي.
ولذلك، فإن الرد الأردني الأمثل لا يقوم على الدفاع ورد الاتهام فقط، بل على تقديم نموذج يُظهر أن الإصلاح ليس وليد ضغط خارجي ولا استجابة ظرفية، بل خيار وطني يعكس إرادة داخلية في تحديث الدولة وتعزيز مناعتها السياسية.
وبين الإصلاح السياسي الحقيقي، والوضوح الحقوقي، والدفاع الدبلوماسي عن استقلال القرار الوطني، يستطيع الأردن أن يتجاوز هذه اللحظة، ويثبت أنه دولة تمتلك مسارها وتحدد شكل مستقبلها بإرادتها.
* أكاديمية أردنية متخصصة بالإعلام وحقوق الإنسان
الغد