هل اختطف الأردن المحافظ ؟!
د. خليل النظامي
ثمة سؤال بات يستحق أن يطرح بهدوء على الساحة الوطنية بعيدا عن الهرطقات والمراهقات والمزايدات الدينية والسياسية يتمثل بـ:
هل تغير الأردن فعلا،، أم أن صورة جديدة للأردن يجري تشكيلها في المجال العام أسرع من تحولات المجتمع نفسه،،!!؟؟
والسؤال هنا لا يتعلق بحفلة غنائية أو مهرجان،، ولا بخلاف تقليدي بين متدين وعلماني،،
فالمسألة أعمق من ذلك وترتبط بتعلقها بهوية دولة ومجتمع وبالسؤال عن الجهة التي تملك حق تعريف هذه الهوية،،،
دستوريا،،
لا يعرف الأردن نفسه دولة علمانية،، فالمادة الثانية من الدستور تنص بوضوح على أن “الإسلام دين الدولة”،، فيما تنص المادة السادسة على أن الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق وحب الوطن،،
وفي المقابل،،،
يحمي ويكفل الدستور حرية القيام بالشعائر الدينية، وحرية الرأي والإبداع الأدبي والفني والثقافي ضمن حدود القانون والنظام العام والآداب،،
إذا،، نحن أمام صيغة دستورية تجمع بين هوية دينية رسمية ومساحة واسعة للحريات المدنية،،، ولسنا أمام دولة دينية خالصة ولا دولة علمانية خالصة،،
لكن المشكلة الفعلية تبدأ عندما ننزل من النص الدستوري إلى الشارع،،
فالمجال العام الأردني يشهد أنماطا متزايدة من الترفيه والسياحة والثقافة وأشكال الحياة التي قد تتعارض في نظر شرائح محافظة مع منظومتها الدينية والاجتماعية،،
وهنا يظهر السؤال الحقيقي الفعلي،،
هل تعكس هذه المظاهر تحولا عميقا داخل المجتمع الأردني نفسه،،!؟؟ أم أنها تعكس أولويات اقتصادية وسياحية وثقافية تتقدم أحياناً على المزاج الاجتماعي المحافظ،،!؟؟
وليس من الدقة اختزال المسألة بالقول إن العلمانيين اختطفوا الأردن،، فالعلمانيون ليسوا كتلة واحدة،،، كما أن المدنية ليست مرادفا للعلمانية،،، والمتدين يمكن أن يكون مدنيا مثلما أن العلماني يمكن يكون محافظا اجتماعيا،،،
ربما تكمن المشكلة في مكان آخر مثل اتساع المسافة بين هوية اجتماعية محافظة وبين مجال عام يتغير بسرعة،،!!
وفي المقابل،،،
لا يجوز أيضا التعامل مع المجتمع الأردني باعتباره كتلة دينية واحدة،، فداخله المحافظ والمتدين والليبرالي وغير المتدين،،، وداخله أجيال جديدة غيرت التكنولوجيا والسفر والعولمة والاقتصاد كثيرا من تصوراتها عن الحرية والحياة الخاصة والمجال العام،،،
وهذا يجعل القضية أكثر تعقيدا من حفلة أو مهرجان،،
فليس كل ما يخالف التصور الشرعي المحافظ مخالفا للقانون،،، كما أن كل ما يسمح به القانون لا يصبح بالضرورة تعبيرا عن هوية المجتمع الأردني،،،
وهنا نعود إلى أصل السؤال:
من يملك حق تعريف المجال العام الأردني؟
هل هو النص الدستوري؟ أم الأغلبية الاجتماعية؟ أم الدولة؟ أم السوق والسياحة؟ أم التحولات الثقافية؟ أم حرية الفرد في أن يعيش وفق خياراته ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين؟
ربما لم يختطف الأردن أصلا،،!!!!
وربما ما يحدث أمامنا هو شيء أكثر عمقا يتمثل بصراع هادئ على تعريف الأردن نفسه،،، وعلى شكل الهوية التي يريد أن يدخل بها إلى المستقبل،،
وهنا تبدأ القضية الحقيقية التي يجب على عقل الدولة البحث فيها،،،،
#خليل_النظامي