تثوير السوريين على الثورة
ماهر أبو طير
الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها سورية وامتدت إلى محافظات عدة، اعتراضا على رفع أسعار المشتقات النفطية، لم تكن مجرد احتجاجات معيشية، بل تقول ما هو أكثر.
بعد 14 سنة من المعاناة بسبب الحرب داخل سورية، وما تعرض له الشعب السوري من قتل وتشريد وهدم عقارات وقمع أمني، لا يمكن أن يبقى الشعب السوري كما هو، لأن الاحتفاء فقط بسقوط النظام السابق لا يعطي رخصة للنظام الحالي لتجاوز مطالب السوريين، بل يضع عليه مسؤولية إضافية، وسط حساسية مفرطة بين السوريين إزاء كل تفاصيل حياتهم، بعد أن خرجوا من أجواء الاحتفاء بالتغيير إلى التزامات ومسؤوليات الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
سورية تخضع لضغط هائل، إسرائيل تتمدد في الجنوب، والمساعدات الاقتصادية لسورية محدودة، والمال السوري الثري في المغتربات والمهاجر لا يقترب من سورية الجديدة ربما خوفا من انهيار الأوضاع فجأة، وفئات عدة في سورية تتململ وتتحرك على أساس مذهبي وعرقي وديني ما بين من يريد الانفصال، أو لديه اعتراضات، أو حتى ارتباطات خارجية حركته سابقا، وقد تحركه اليوم تحت مظلة الاحتجاجات المعيشية لا الاعتراضات السياسية.
تثوير السوريين على الثورة السورية التي تحولت إلى دولة، يتم بفعل ظروف موضوعية، وقد يتزايد بفعل تدخلات خارجية، لكن بالتأكيد لا يمكن تبسيط الواقع الحالي بكل الأحوال.
تطلعات الشعب السوري بعد الثورة كانت كبيرة، أبرزها طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهذه هي أساس الأزمة، لأن الأزمة السورية السابقة تأسست بفعل القمع الأمني، والمحاصصة، والاستخفاف بالإنسان السوري، وحريته السياسية، ووسائل عيشه، والتفاصيل هنا كثيرة حول النظام السابق، ولهذا تتضاعف حساسية السوريين اليوم.
أبرز أسباب حساسيات السوريين طريقة تعامل الدولة مع المواطنين، وتشكل جزر نفوذ محسوبة داخلية على دمشق الجديدة، وحدوث استقطابات رأسمالية محددة، وتغير في عناوين الثورة من الحرية ومنح السوريين حقوقهم، إلى إعادة التموضع الدولي بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل، وعدم إنجاز أي ملفات على صعيد إعادة الإعمار، مثلا، وبقاء اللاجئين السوريين خارج سورية، وشيوع البطالة والفقر، والغلاء الفاحش الذي لا يحتمله السوري.
هذا يعني أن الأسباب الموضوعية التي كان يفهمها السوري خلال فترة النظام السابق باعتبارها أدت إلى ما كان يعيش فيه، لن يفهمها اليوم، بل اللافت للانتباه أن تخرج أصوات سورية تترحم على العهد السابق، بشكل انفعالي، أو حتى بتحريك من جهات، وهي حالة شهدناها في ليبيا مثلا بعد الثورة حين خرج الناس بعد فترة ليترحموا على القذافي، وهي مفارقة كبيرة أن لا يجد الإنسان العربي إلا مقارنة بين الأسوأ والسيئ هذه الأيام.
لكن مهلا، علينا أن نكون موضوعيين، لأن دمشق الجديدة لن تكون قادرة بهذه السرعة التي يتوقعها السوريون على تغيير الأوضاع، أمام حجم الدمار والخراب الاقتصادي وتعقيدات المشهد الداخلي وضغوط الإقليم، ولذلك قد يكون من المبالغة توقع السوريين أن يحدث انقلاب في يوم وليلة، فهذه استحالة بكل ما تعنيه الكلمة، وما تم تخريبه خلال 14 سنة لن يتحسن في سنة أو سنتين، وربما الأهم اليوم وقف التدهور والخراب، قبل التطوير.
العنصر الأهم هنا أن الاحتجاجات المعيشية قد تجد من يغذيها من قوى داخلية وخارجية لأسباب سياسية، وليس معيشية، وهناك دول وأجهزة أمنية تعمل في سورية، وقوى ممولة بالمال، وهناك أقليات غاضبة، وأيضا قوى محسوبة على النظام السابق وتريد إسقاط النظام الحالي، وهي قوى عسكرية وأمنية وحزبية وقبلية، ومع كل هذا هناك قوى دولية تريد التمدد في سورية مجددا مثل إيران وروسيا، ومع كل هؤلاء المخططات الإسرائيلية لتقويض سورية من الداخل، في سياق الرغبة بتقسيمها، أو إخضاعها للحاضنة الإسرائيلية.
ما جرى من احتجاجات معيشية كان الفصل الأول، والأخطر أن يتوسع المخطط ما بين احتجاجات الناس المشروعة، ومن سيوظفها لحسابات أخرى، بما يعني أن دمشق الجديدة أمام توقيت فاصل وبحاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها الداخلية سريعا، وان يتم دعم سورية أيضا.