من مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية إلى مشروع للتكامل الاقتصادي
لمهندسة: ميسون الزعبي
لم يكن مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية مجرد مناسبة لبحث واقع الصادرات الزراعية وتحدياتها، بل شكّل فرصة لإطلاق فكرة أوسع تتجاوز حدود القطاع الزراعي نحو بناء منظومة متكاملة من التعاون الاقتصادي بين دول المشرق العربي. فالتجارة الزراعية يمكن أن تكون نقطة البداية لمسار طويل يعزز التجارة البينية، ويربط الأسواق،ويفتح المجال أمام شراكات واستثمارات تمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة.
والشكر في البداية واجب لكل من ساهم في إنجاح المؤتمر، ولكل من شارك فيه من القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني والمنظمات الإقليمية والدولية. غير أن الأهم من نجاح المؤتمر هو ما سيأتي بعده؛ إذ ان قيمة أي مؤتمر لا تقاس فقط بمستوى المشاركة أو نوعية النقاشات، وإنما بقدرته على تحويل الأفكار التي طرحت إلى عمل مستمر ومشاريع ملموسة.
ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة هي الأهم، وهي مرحلة الانتقال من المؤتمر إلى مأسسةالمبادرة. فالحفاظ على الزخم الذي تحقق يتطلب إطارًا مؤسسيًا واضحًا يضمن استمرارية العمل، ويجمع مختلف الأطراف حول رؤية مشتركة، ويحول الاهتمام الذي يظهر خلال المؤتمر إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل جمعية منتجي ومصدري الخضار والفواكه حاضنةأولية لهذا المسار، بحكم ارتباطها المباشر بالمنتجين والمصدرين والأسواق، على أنيتطور الإطار لاحقًا ليضم مختلف الجهات والقطاعات والدول المعنية. كما تبدوالحاجة واضحة إلى تشكيل لجنة استشارية عليا تكون المرجعية الاستراتيجية للمبادرة،برئاسة شخصية عربية ذات مكانة رفيعة ومستوى عالٍ من القدرة على جمع الأطراف وتعزيز الزخم للمشروع، وبمشاركة ممثلين عن الدول والجهات ذات العلاقة.
وبالتوازي، يمكن تشكيل لجنة استراتيجية تضم ممثلين عن القطاع الخاص والمنتجين والمصدرين والأكاديميا ومراكز البحث والمجتمع المدني والمؤسسات الرسمية، إلى جانب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» وممثليها في الدول الشريكة عند الحاجة. وتكون مهمة هذه اللجنة الانتقال من الرؤية العامة إلى برنامج عملمحدد، وتحديد الأولويات والمشاريع وآليات التنفيذ والمتابعة.
وفي هذا المسار، يمكن لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» أن تؤدي دورًا محوريًا في بناءالمعرفة وتبادلها وتوفير البيانات والخبرات اللازمة لدعم المبادرة. ومن الأفكار العمليةالتي يمكن البدء بها التواصل مع المكتب الإقليمي للفاو، من خلال مكتبها في الأردن،لبحث إعداد روزنامة زراعية لدول المشرق العربي، توضح مواسم الإنتاج وتوفرالمحاصيل والفرص المتاحة للتبادل التجاري، بما يساعد على مواءمة الإنتاج معالأسواق وتعظيم فرص التجارة البينية.
كما يمكن بحث إنشاء منصة إقليمية للمعلومات الزراعية والتجارية، تكون مصدراً مشتركاً للبيانات والمعلومات التي يحتاجها المنتجون والمصدرون والمستوردون والمستثمرون وصناع القرار. فالمعلومة الدقيقة وفي الوقت المناسب أصبحت اليومجزءًا أساسيًا من القدرة على المنافسة والوصول إلى الأسواق.
وقد تكون الصادرات الزراعية هي نقطة الانطلاق، لكنها بالتأكيد ليست نهاية الطريق. فنجاح التعاون في هذا المجال يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع في التصنيعالغذائي والنقل والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد والاستثمار والأمن الغذائيوالتكنولوجيا والبحث العلمي. وبذلك يمكن أن يتحول التعاون الزراعي من هدفقطاعي إلى مدخل لبناء شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية المشتركة بين دولالمشرق العربي.
المشرق العربي يمتلك مقومات مهمة تسمح له بتطوير تجارة بينية أكثر فاعلية؛ منتنوع في المناخ ومواسم الإنتاج إلى القرب الجغرافي وتنوع الأسواق والمواردوالخبرات. لكن تحويل هذه المزايا إلى قوة اقتصادية مشتركة يتطلب أكثر من الإرادة،فهو يحتاج إلى التنسيق والمعلومات وتسهيل حركة التجارة وتطوير البنية اللوجستيةوربط المنتج بالأسواق، والأهم إلى استمرارية العمل ضمن إطار مؤسسي واضح.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي بعد مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية هو ألا يتوقف العمل عند حدود المؤتمر. المطلوب هو بناء ما بعد المؤتمر، وتحويل مخرجاتهإلى خارطة طريق، وتحديد عدد من المشاريع العملية التي يمكن البدء بها، وقياسنتائجها، ثم البناء عليها وتوسيع نطاقها تدريجيًا.
فهذا اللقاء ليس ختامًا، وإنما بداية لعمل كبير. وأهمية هذه البداية أنها تفتح الباب امام رؤية أوسع للتعاون بين دول المشرق العربي، تبدأ من الصادرات الزراعية والتجارة البيئية ، لكنها يمكن أن تمتد إلى مجالات أوسع من الاستثمار والإنتاج والتصنيع والنقل والمعرفة ، وصولًا إلى بناء شبكة متكاملة من المصالح الاقتصادية المشتركة.
إن نجاح هذه المبادرة في نهاية المطاف لن يقاس بعدد المؤتمرات التي ستعقد، وإنمابقدرتها على خلق تجارة حقيقية، وشراكات مستدامة، وفرص استثمار، وأسواق أكثرترابطًا، ومؤسسات قادرة على مواصلة العمل. ومن هنا يمكن أن يكون مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية نقطة انطلاق لمسار اقتصادي جديد، يبدأ من الزراعة والصادرات ، ويتطور تدريجيًا نحو تعاون وتكامل اقتصادي أكثر شمولًا بين دول المشرق العربي .