من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات.. أين تقف الحقيقة؟

7

تهاني  روحي

في أروقة قمة دبي للإعلام والتي استمرت ثلاثة أيام وكانت زاخرة بكل ما هو جديد في عالم الإعلام، كان محورها مواكبة الإعلام للتطور والذكاء الاصطناعي. رويترز، إحدى أكبر وكالات الأنباء في العالم، بدأت رحلتها باستخدام الحمام الزاجل لنقل الأخبار كما قال المتحدث في إحدى الجلسات. بدت المفارقة لافتة، فمن الخبر المحمل على جناحي طائر، إلى آلة تستطيع أن تكتب مسودته خلال ثوان.

وبينهما تاريخ طويل تغيرت فيه الوسائل، وبقي الإنسان يريد الشيء نفسه، أن يعرف ماذا يحدث.
أعادتني هذه الفكرة، وأنا أتابع جلسات قمة الإعلام العربي أمام تخوفاتنا من كل جديد يأتي ليبدل ما قبله، فالآلة الكاتبة لغتها الكهربائية واستبدلت بالكمبيوتر وهكذا دواليك، ودائما يظهر الخوف من أن تبتلع الأداة الجديدة ما قبلها. إلا أن الإعلام لم ينته. كان يعيد تشكيل نفسه، كما يفعل اليوم أمام الذكاء الاصطناعي، فما كان يحتاج إلى ساعات قد ينجز في دقائق. وإذا أصبحت صناعة المحتوى متاحة للجميع بهذه السهولة، فكيف سنفرق بين الخبر والحكاية المصنوعة، وبين الصورة الحقيقية والمفتعلة؟
التكنولوجيا هنا لا تطلب منا أن نثق بها ثقة عمياء، بل تساعدنا على التحقق منها. وهي صورة مختلفة عن الاعتقاد الشائع بأن المستقبل معركة بين الإنسان والآلة؛ فقد يكون مستقبل الإعلام، في أحسن حالاته، شراكة تؤدي فيها الآلة ما تتقنه، ويبقى القرار والمسؤولية في يد الإنسان.
ولعل الثقة هي المطلب الضروري، فنحن نعيش وسط سيل لا يتوقف من الأخبار والمنشورات ومقاطع الفيديو، ويستطيع المحتوى المضلل أن يسبق الحقيقة بمسافات. كما أن كثرة تكرار المعلومة قد تمنحها مظهر الحقيقة، من دون أن تجعلها صحيحة. لذلك قد لا تكون قيمة الإعلام في أن يصل بسرعة، بل في أن يمنح الناس سببا واضحا لتصديقه، مصدرا يمكن تتبعه، وسياقا لا يؤمن بأخبار مجتزأة.
والجمهور الذي تختار له الخوارزميات ما يحب أن يراه، فهي تعرف ما يثير فضوله وما يغضبه وما يجعله يبقى على الشاشة. إذا لدينا محتوى أكثر من أي وقت مضى، لكن ذلك لا يعني دائما أن لدينا فهما أعمق للعالم، أو حتى واقعا مشتركا نتفق على حقائقه الأساسية.
ولا تقف الأسئلة عند المصداقية. فمن يملك المحتوى الذي تتغذى عليه نماذج الذكاء الاصطناعي؟ وهل تتحول سنوات من عمل الصحفيين والمصورين إلى مادة مجانية تعيد الآلة إنتاجها بلا مقابل؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يُنتحل صوت شخص أو تُصنع له صورة أو تصريح لم يصدر عنه؟ كانت هذه محور النقاشات في أروقة ومنصات قمة الإعلام.
مع ذلك، لم أخرج من القمة خائفة من المستقبل الإعلامي، بل أكثر اقتناعا بأن مقاومة التكنولوجيا لن توقفها، كما لم يوقف الخوف من الإنترنت انتقال الإعلام إليه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخفف الأعمال الروتينية، وأن يساعد الإعلام على اكتشاف قصص داخل كميات هائلة من المعلومات. لكن التفاؤل هنا مشروط. فالتكنولوجيا التي تختصر الوقت تستطيع أيضا أن تختصر الحقيقة إذا غاب التدقيق. ولهذا لن يكون المستقبل للآلة وحدها، ولا لمن يصر على العمل بعقلية الأمس، بل سيكون لمن يعرف كيف يستفيد من قوة الأدوات الجديدة دون أن يتخلى عن الحس الإنساني وميثاق الشرف الصحفي والذاكرة والسياق والمسؤولية.
غادرت قمة الإعلام العربي وأنا أفكر أن شكل غرفة الأخبار سيتغير. لكن حاجة الناس إلى من يساعدهم على فهم العالم لن تختفي. قد تنقل الأخبار خوارزمية فائقة السرعة، لكن قيمتها ستظل مرتبطة بالثقة التي تحملها معها. وشكرا لنادي دبي للصحافة الذي أتاح للإعلاميين من مختلف أنحاء المنطقة العربية مساحة لرؤية هذه التحولات عن قرب، وطرح السؤال الذي سيبقى معنا، كيف نتغير من دون أن نفقد ما يجعل الإعلام جديرا بثقة الناس؟الغد

قد يعجبك ايضا