وهن العظم واشتعل الرأس شيباً
د.فيصل محمود الغرايبة
كنت أقرأ سورة مريم… فتوقفت عند آية جعلتني أبحث طويلًا عن سر كلمة واحدة! قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
توقفت…
وأعدت قراءة الآية مرة أخرى.
ثم استوقفتني عبارة واحدة:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
وقلت في نفسي:
لماذا قال الله «اشتعل»؟
لماذا لم يقل :
“وشاب رأسي.”
أو:
“وامتلأ رأسي شيبًا.”
فلماذا اختار القرآن هذه الكلمة تحديدًا؟
بدأت أبحث…
وهنا كانت المفاجأة.
عندما نقول:
اشتعلت النار
فأنت لا تتخيل نارًا في مكان صغير فقط…
بل تتخيل النار وهي تنتشر شيئًا فشيئًا، وتمتد حتى تغطي ما حولها.
والقرآن استخدم هذه الصورة نفسها مع الشيب.
لم يقل:
“اشتعل الشيب.”
بل قال:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
تأملها مرة أخرى…
الرأس هو الذي اشتعل!
وكأن الشيب لم يعد بضع شعرات بيضاء هنا وهناك، وإنما انتشر في الرأس انتشار النار.
يا الله…
مجرد كلمة واحدة جعلتك ترى المشهد بدل أن تسمع معلومة فقط.
لكنني لم أتوقف هنا.
قلت:
ما علاقة هذه العبارة بما قبلها؟
فوجدت شيئًا أعمق.
زكريا عليه السلام يقول:
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾
لم يقل: ضعفت.
بل ذكر العظم نفسه.
وكأن الضعف لم يعد شيئًا سطحيًا…والعظم عندما يوهن …ينهار قوام الجسد ..حتى يحتدب…
بل وصل إلى أعماقه.
ثم قال:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
ضعف في الداخل…
وشيب في الخارج…
ثم، وسط كل هذا، قال:
﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
وهنا شعرت أن الآية لم تعد تتحدث عن رجل كبير في السن فقط.
بل عن إنسان وصل إلى مرحلة يقول فيها:
يا رب…
لقد ضعفت.
وكبر سني.
وامتلأ رأسي شيبًا.
لكنني طوال حياتي لم أخب في دعائي لك.
فكيف أرجع إليك اليوم خائبًا؟
ثم جاءت الإجابة بعد ذلك مباشرة:
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾
سبحان الله!
هنا فهمت شيئًا جعلني أعود إلى الآية من جديد.
زكريا عليه السلام كان شيخًا كبيرًا، وامرأته عاقر، وكل الأسباب الظاهرة تقول إن الإنجاب بعيد.
لكن القرآن أراد أن يعلمنا:
أن انتهاء الأسباب عندك لا يعني انتهاء الأمل عند الله.
قد يشتعل رأسك شيبًا…
وقد يضعف جسدك…
وقد تتأخر أمنية دعوت الله بها سنوات…
لكن هذا كله لا يعني أن تقول:
“انتهى الأمر.”
زكريا عليه السلام لم يقل:
“لقد كبرت، فلم يعد هناك أمل.”
بل قال:
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾
طلب من الله رغم أن الأسباب البشرية تبدو ضعيفة.
فجاءته البشارة.
ولهذا…
عندما تقرأ:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
لا ترَ فيها مجرد وصف لرجل شاب شعره.
انظر إلى الصورة كاملة:
جسد يضعف…
رأس يشتعل شيبًا…
لكن قلبًا ما زال يعرف إلى من يلجأ.
وهذه هي المفارقة الجميلة:
قد يشيخ الجسد، ولا يشيخ الرجاء.
وقد تنتهي قوة الإنسان، ولا تنتهي قدرة الله.
وقد يقول لك الواقع: “لا يمكن.”
بينما يقول لك الإيمان:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
ومنذ أن توقفت عند تلك الكلمة، أصبحت كلما قرأت:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾
لا أراها مجرد آية عن الشيب…
بل أراها رسالة:
لا تجعل مرور العمر يطفئ الدعاء.
فما دام لك رب اسمه الله…
فليس هناك وقت متأخر على الرجاء. 🤍
﴿وَكَانَ رَبِّي بِدُعَاءِ شَقِيًّا﴾
لا، بل كما قال زكريا:
﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
إذا شعرت أن هذه الآية لمست شيئًا في قلبك، فشاركها مع شخص يحتاج أن يسمع اليوم:
لا تيأس… فرب زكريا هو ربك.
قال تعالى في سورة البلد، الآيتان 17–18:
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.