بيت التراث في الفحيص يزرع القيم ويحصد الذاكرة
حازم عكروش .
العمل العام ليس تعبئةً للوقت، ولا مجرد نشاط يُنجز ثم ينتهي بانتهاء موعده؛ هو هدف ورسالة، وترسيخ لقيم سلوكية وتربوية وأخلاقية وتنموية، وزرع لفكرة التعاون بين الأجيال، وترك أثر يبقى في عقل ووجدان الشباب، ويوقظ لدى الكبار شجون الذكريات ودفء الأمكنة.
بهذه الفلسفة يمكن قراءة تجربة جمعية بيت التراث والفنون في الفحيص، برئاسة الناشطة ورئيسة الجمعية ورفاقها ورفيقاتها، الذين اختاروا أن يكون العمل الأهلي فعلًا مستمرًا، لا مناسبة عابرة.
منذ تأسيسها، أخذت الجمعية على عاتقها ترسيخ مجموعة من القيم والسلوكيات التي ترى أنها تشكل جزءًا من هوية الفحيص وذاكرتها. ولم تكتفِ بالنشاط داخل قاعاتها، بل حاولت أن تترك بصمتها في أحياء البلدة وشوارعها، كلما سمحت الإمكانيات المتاحة.
فكانت الجداريات التي أنجزها عدد من الفنانين إحدى العلامات التي تركتها الجمعية في المكان؛ فنٌّ على الجدران يضيف جمالًا إلى الأحياء، لكنه يحمل رسالة بأن الشارع يمكن أن يكون مساحة للثقافة والفن والذاكرة، وليس مجرد طريق يعبره الناس.
وفي جانب آخر، عملت الجمعية على توثيق بعض جوانب الموروث الغذائي من خلال طباعة الأكلات الشعبية الأردنية، في محاولة لحفظ وصفات وذاكرة مرتبطة بالبيوت والأمهات والجدات، قبل أن تختفي تفاصيلها مع تغير أنماط الحياة.
العنب… أكثر من ثمرة
ولعل اختيار العنب ليكون محور مهرجان الجمعية الثاني لم يأتِ من فراغ.
فالعنب في الفحيص ليس مجرد محصول زراعي موسمي؛ فهو جزء من حكاية المكان وذاكرته الاجتماعية والاقتصادية والغذائية. حول كروم العنب اجتمعت العائلات، وتعاون الجيران، وتوارث الأبناء عن الآباء قيم المحبة والعطاء والجد والاجتهاد.
وكما جاء في كلمة الدعوة للمهرجان، فإن مواسم العنب «لم تكن مجرد موسم للقطاف، بل كانت موسمًا للفرح والعمل والتكافل»، وحول كرومه اجتمعت العائلات، وتعاون الجيران، وتوارث الأبناء عن الآباء قيم المحبة والعطاء والجد والاجتهاد.
هذه العلاقة جعلت العنب جزءًا من الموروث الغذائي الأصيل؛ فمن ثماره صُنعت ألوان من الأطعمة والمونة، كالدبس والزبيب والخبيصة (الملبن) وغيرها، لتتحول الثمرة من محصول موسمي إلى ذاكرة وطقس اجتماعي ومصدر رزق وكرامة.
ومن الفحيص، انتقلت هذه الحكاية إلى مساحة أوسع؛ فكروم العنب بقيت جزءًا من المشهد الأردني، وواحدة من ملامح الهوية الزراعية والتراثية، بما تحمله شجرة العنب من رمزية للخصب والاستقرار والعطاء.
مهرجان يعيد وصل الأجيال
هذا العام، تستعد الفحيص لافتتاح مهرجان العنب الثاني 2026، الذي تنظمه الجمعية يومي 20 و21 أيلول في الشارع السياحي ومسرح القناطر، وساحة متحف دير الروم الارثوذكس في محاولة جديدة لتحويل موسم العنب إلى مساحة للفرح واللقاء واستعادة الذاكرة.
المهرجان، وفق البرنامج المعلن، لا يقتصر على عرض منتجات العنب؛ إذ يتضمن استقبالًا وزيارات وفعاليات ثقافية وفنية، ومسيرة في الشارع السياحي، وافتتاح معرض ودار المهرجان، إلى جانب كلمات وتكريمات وفعاليات مرتبطة بالتراث والزراعة.
وفي اليوم الثاني تتواصل الفعاليات من خلال فتح أبواب البازار وفعاليات تتناول ذاكرة العنب في السلط، والبحوث الزراعية والحقائق العلمية المتعلقة بالزراعة، وتراث الفحيص، إضافة إلى فقرات فنية وتكريم المشاركين والداعمين.
وهنا تبدو أهمية المهرجان في كونه يتجاوز فكرة الاحتفال بالمحصول إلى إعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان والأرض، وربط الشباب بذاكرة المكان التي ربما لم يعيشوا تفاصيلها كما عاشها آباؤهم وأجدادهم.
فحين يرى الشاب كيف كان العنب جزءًا من حياة الناس، وكيف كانت المواسم تجمع العائلات وتدفع الجيران إلى التعاون، فإن الأمر لا يبقى معلومة عن محصول زراعي، وإنما يتحول إلى درس في الانتماء والعمل المشترك.
من شجرة العنب إلى شجرة الذاكرة
تقول رسالة المهرجان إن ما يُزرع اليوم ليس مجرد محصول يُقطف غدًا، بل أمانة يحملها جيل إلى جيل.
وهذه ربما هي الفكرة الأهم في تجربة الجمعية: أن العمل العام الحقيقي لا يُقاس بعدد النشاطات فقط، وإنما بما يتركه من أثر بعد انتهاء النشاط.
فالجداريات تبقى على الجدران، وكتاب الأكلات الشعبية يبقى شاهدًا على المطبخ والذاكرة، ومهرجان العنب يمكن أن يصبح موعدًا سنويًا تستعيد فيه الفحيص علاقتها بأرضها وكرومها ومواسمها، ويجد فيه الشباب مساحة للقاء والتعلم والمشاركة، فيما يستعيد الكبار صورًا من أيام مضت.
وهكذا يصبح العنب أكثر من ثمرة، والمهرجان أكثر من فعالية، والعمل الأهلي أكثر من إشغال أوقات الفراغ.
إنها محاولة لزراعة قيمة اليوم، كي يحصدها جيل الغد.
وفي الفحيص، حيث ارتبطت شجرة العنب بالأرض والبيت والعائلة والموسم، يبدو أن الجمعية تريد أن تزرع شجرة أخرى لا تحتاج إلى ماء أو تربة: شجرة في الذاكرة، جذورها في الماضي، وظلالها على المستقبل.