أخطر من الخصم..لبّيت يا نشمي
د. عريب الطوخلي
(محلله نفسيه وبروفيسور بجامعة نوفا ساوث إيسترن / فلوريدا)
لا أعتقد أن هناك أردنيًا لم يشعر بالألم بعد المباراة الأخيرة. فالخسارة لم تكن مجردنتيجة رياضية، بل كانت لحظة شعر فيها كثيرون أن حلمًا اقترب ثم ابتعد. الغضبمفهوم، والحزن مفهوم، فمن يحب وطنه ومنتخبه بصدق يتألم حين يراه يتعثر.
لكن ما استوقفني لم تكن الخسارة نفسها، بل ما تبعها. ففي الوقت الذي كان فيهاللاعبون يحاولون استيعاب ما جرى، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتللتنمر الجماعي. أصبحت أخطاء اللاعبين مادة للسخرية، وأُعيد تداول اللقطاتوتضخيمها، وكأننا لا نتحدث عن بشر أمضوا سنوات من أعمارهم في التدريبوالتضحية، بل عن أشخاص لا يشعرون ولا يتألمون.
ومن موقعي كأخصائية نفسية، يفرض سؤال نفسه: لماذا يحدث ذلك؟
عندما يشعر الناس بالإحباط والعجز، يصبح من الأسهل نفسيًا البحث عن “كبش فداء”يُحمَّل مسؤولية الألم. وبدلًا من الاعتراف بأن الرياضة بطبيعتها تقوم على الفوزوالخسارة، يختزل البعض المشهد كله في لاعب واحد أو لقطة واحدة. ويشير الباحثفي علم نفس الجماهير الرياضية دانيال وان، أستاذ علم النفس في جامعة مورايستيت، إلى أن الجماهير كثيرًا ما تنسى حقيقة بسيطة، وهي أن اللاعب إنسان يعيشالضغط والخوف والأمل مثل أي شخص، وربما أكثر.
وهنا يكمن الجرح الحقيقي. فالهجوم القادم من المنافس متوقع ويمكن استيعابه، أماحين يأتي من الجماهير التي حمل اللاعب علمها على صدره ودافع عنها أمام العالم،فإن أثره النفسي يكون أعمق بكثير. فالقبول الاجتماعي ليس ترفًا، بل حاجة إنسانيةأساسية، والإنسان الذي يتعرض للإهانة من جماعته يشعر بأن انتماءه وكرامته أصبحاموضع تهديد.
وحين يتحول النقد إلى تجريح وإهانة، فإنه لا يُصلح أداءً، بل قد يحطم معنوياتويكسر أرواحًا.
ولا يقف أثر ذلك عند اللاعبين وحدهم، بل يمتد إلى آلاف الأطفال الذين يحلمون بارتداءقميص المنتخب يومًا ما. هؤلاء يشاهدون ما يحدث، وقد لا يكون السؤال الذي يدور فيأذهانهم: “هل أنا جيد بما يكفي؟”، بل: “هل سيظل الناس يحبونني إذا أخطأت؟”
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فنحن لا نغرس فيهم حب الرياضة فقط، بل قد نغرس – من حيث لا نشعر – ثقافة الحب المشروط.
وقد بينت أبحاث عالمة النفس التربوي كارول دويك أن الأطفال الذين يُشجَّعون علىالجهد والمثابرة يصبحون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، بينما يؤدي ربط قيمةالإنسان بالنجاح وحده إلى زيادة الخوف من الفشل والتردد في خوض التجاربالجديدة.
وهذا ينطبق تمامًا على الرياضي. فاللاعب الذي يدخل الملعب وهو يخشى ردود الأفعاللن يتخذ القرار الجريء نفسه الذي يتخذه اللاعب الواثق من دعم جماهيره. وعلمالنفس الرياضي يؤكد أن الخوف من العقاب الاجتماعي ينعكس على جودة الأداء، حتىوإن لم يظهر ذلك في الإحصاءات. فكثير من التمريرات، والتسديدات، والقراراتالحاسمة تُفقد بسبب الخوف لا بسبب ضعف الإمكانات.
ولعل ما حدث مع المنتخب الياباني بعد خروجه من كأس العالم 2022 يقدم درسًابليغًا. فقد حافظ اللاعبون والجماهير على احترامهم لأنفسهم وللآخرين، وتركوا خلفهمصورة حضارية خلدها العالم، مؤكدين أن كرامة الإنسان لا ترتبط بنتيجة مباراة.
قبل أن نكتب تعليقًا غاضبًا أو نشارك مقطعًا ساخرًا، فلنسأل أنفسنا: لو كان هذا اللاعبابني، هل كنت سأكتب هذه الكلمات؟
والسؤال الأعمق: ماذا تعكس ردود أفعالنا عنّا نحن؟ فكم منا نشأ على فكرة أن المحبةتُمنح عند النجاح وتُسحب عند الفشل؟ وإذا كنا قد تألمنا يومًا من هذه الرسالة، فلماذانعيد إنتاجها اليوم تجاه شباب يمثلون الأردن أمام العالم؟
لقد ورث الأردنيون ثقافة أصيلة تقوم على الشهامة والرحمة والوقوف مع الإنسان فيشدته قبل فرحه. ورحمة الإنسان لا تظهر عندما يرفع الكأس، بل عندما يسقط ويحاولالنهوض من جديد. عندها فقط تُختبر أخلاق المجتمعات.
إن المطالبة بالتطوير والمحاسبة حق مشروع، بل هي ضرورة لأي مشروع رياضي ناجح،لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين الإذلالالجماعي الذي لا ينتج إلا الخوف والإحباط.
فالشعوب لا تُعرف فقط بطريقة احتفالها بالانتصارات، بل بطريقة تعاملها مع أبنائهاعندما تتعثر أحلامهم.
هذا الأسبوع، امنحوا لاعبينا كلمةً يدخلون بها إلى الملعب بثقة، لا بخوف. اكتبوا مايعيد إليهم الإيمان بأن خلفهم شعبًا يساندهم في الانكسار كما يصفق لهم في الانتصار.
وأنا أبدأ…
الأردن ناداك… ولبيت يا نشمي.