السعود إلى نشامى المنتخب: قاتلوا بروح الأردن وانتزعوا من أعماقكم أقصى طاقاتكم

14

كتب. د. حسن السعود

 يمكن القول والتأكيد إن المشاركة في مباريات كأس العالم ليست حدثًا عاديًا ولامناسبة عابرة اعتدنا عليها من قبل، بل هي محطة استثنائية في مسيرة أي لاعب وأيمنتخب. ولذلك فإن المشاركة في هذا المحفل العالمي الكبير تتطلب وعيًا وإدراكًاوامتلاك مجموعة من الخصائص والمهارات النفسية والعقلية التي تمهّد الطريق أماماللاعب للوصول إلى المستوى المطلوب من الأداء والإنجاز.

 ومن هنا أخذ الاهتمام يتزايد بالطرق التطبيقية لعلم النفس الرياضي، باعتباره تخصصًاحيويًا يدرس كيفية تأثير العوامل العقلية والنفسية في الأداء البدني والمهاريوالخططي للرياضيين. ويهدف هذا العلم إلى تعزيز قدرات الرياضيين والمدربين منخلال تطوير التركيز، والتحكم في التوتر، وإدارة الضغوط النفسية، وبناء الدافعية والثقةبالنفس، وصولًا إلى تحقيق أعلى درجات التفوق والإنجاز.

 فكل ما تفكر به هو الذي سينفذه جسمك؛ لأن مصدر القرار الحقيقي هو الدماغ، وليس العضلات بصورة أساسية. لذلك لا بد أن تُعِدَّ هذا المركز الحيوي إعدادًا جيدًا، ليتمكنمن إصدار القرارات الملائمة في الوقت المناسب، وألا يتأثر بالمثيرات السلبية العديدةالموجودة في بيئة الرياضة التنافسية.

 ومن هذا المنطلق، أحببت في هذه المقالة العلمية أن أوجّه رسالة إلى نشامىالمنتخب الوطني، متناولًا أبرز هذه القواعد والجوانب التطبيقية في علم النفسالرياضي، والتي أرى أنها قد تسهم في تعزيز الأداء وتحقيق الطموحات الوطنيةالمنشودة.

 

أولًا: القدرة على الانتزاع من الأعماق

 

وفي هذه القاعدة تحديدًا، وفي هذا المقام، لا أجد أجمل وأرقى من كلمات صاحبالجلالة الملك عبدالله الثاني عندما قال: «قاتلوا في الملعب بروح النشامى التيعهدناها بكم».

 

إنها كلمات تختصر معاني الانتماء والعزيمة والمسؤولية، كما تختصر حجم الثقة التييضعها الأردنيون بكم وأنتم تمثلون وطنكم في أكبر محفل كروي عالمي. فاجعلوا هذهالكلمات الملكية السامية لقائد الوطن بمثابة الباعث الحقيقي الذي يدفعكم إلى انتزاعمن أعماقكم أقصى الطاقات الكامنة لقدراتكم البدنية والفنية والخططية والنفسية،واستحضار أفضل ما لديكم في اللحظات التي تحتاج إلى الثبات والإصرار والتحدي.

 

ثانيًا: القدرة على التوجيه الذاتي والانضباط الذاتي والتحفيز الذاتي

 

إن التدريب الجاد، والاستعداد المتقن، والتوجيه الذاتي، والانضباط الذاتي، والتحفيزالذاتي، تشكل جميعها طريقكم نحو تحقيق الإنجاز والوصول إلى الهدف المنشود بإذنالله.

 

فاللاعب الذي يمتلك القدرة على إدارة ذاته، والحفاظ على التزامه وتركيزه، يكون أكثرقدرة على التعامل مع المتغيرات والضغوط التي تفرضها البطولات الكبرى، وأكثر قدرةعلى الثبات في المواقف الحاسمة.

 

ثالثًا: العزيمة والإصرار

 

قوموا بعمل كل ما يمكن عمله داخل الملعب، وفي إطار قواعد اللعب الصحيحوالمنافسة الشريفة، من أجل تحقيق الهدف المنشود.

 

فالعزيمة والإصرار ليسا مجرد شعارات تُرفع، بل هما سلوك عملي يظهر في كل كرةمشتركة، وكل جهد إضافي، وكل لحظة تتطلب الصبر والثبات وعدم الاستسلام. وكثيرًاما تكون البطولات الكبرى من نصيب الفرق التي تملك الإرادة الأقوى قبل أن تملكالإمكانات الأكبر.

 

رابعًا: الضغط النفسي

 

لا شك أن المشاركة في بطولة بحجم كأس العالم تفرض على اللاعبين والجهاز الفنيضغوطًا نفسية كبيرة، سواء نتيجة أهمية الحدث أو حجم التوقعات الجماهيريةوالإعلامية المصاحبة له.

 

لذلك يجب عليكم أن تُحسنوا التعامل مع الضغط النفسي الناتج عن المشاركة في هذاالحدث العالمي الكبير. وأقترح عليكم، كلاعبين ومدربًا وجهازًا فنيًا، أن تتذكروا دائمًاحقيقة مهمة مفادها أن: «الضغط النفسي ليس في الحالة نفسها، وإنما في الكيفيةالتي نرى بها تلك الحالة ونتعامل معها».

 

لذلك انظروا إلى مبارياتكم أمام المنتخب الجزائري والمنتخب الأرجنتيني باعتبارهافرصة ممتعة ومثيرة للتحدي وإثبات الذات، لا باعتبارها مصدرًا للخوف أو التردد. فطريقة التفكير في الموقف كثيرًا ما تحدد طبيعة الاستجابة له.

 

خامسًا: المقدرة على كبت التعبير المباشر للانفعالات السلبية واستبدالها بانفعالاتإيجابية

 

أثناء المباراة قد تحدث مواقف كثيرة تثير الانفعال أو الإحباط أو الغضب، لكن اللاعبالمتميز هو الذي يمتلك القدرة على إدارة هذه الانفعالات وتوجيهها بصورة إيجابية.

فعندما تكون منطلقًا مع زميلك باتجاه مرمى الخصم، ثم يقوم زميلك بتمرير الكرةبصورة خاطئة فتذهب إلى المنافس، فإن المطلوب هنا ليس الانشغال بالغضب أواللوم، بل تقبل ذلك الخطأ باعتباره جزءًا طبيعيًا من طبيعة اللعبة، ثم الإسراع إلى ساحةفريقك والمساهمة في حماية المرمى من الهجمة المرتدة.

 

فالفرق الكبرى لا تتميز بعدم وقوع الأخطاء، وإنما بسرعة التعافي منها واستعادةالتركيز.

 

سادسًا: قبول الذات

 

أنت لاعب جيد أو حارس مرمى جيد، لكنك ترتكب خطأ في مباراة معينة. فهل يعتبرذلك الخطأ أمرًا يقلل من قيمتك أو من قدراتك؟

 

بالطبع لا.

 

إن الخطأ جزء طبيعي من الرياضة التنافسية، واللاعب الناجح ليس هو اللاعب الذي لايخطئ، بل اللاعب الذي يتعلم من أخطائه ويحوّلها إلى فرص للتطور والتحسن.

 

لذلك تعاملوا مع الأخطاء باعتبارها دروسًا تعليمية تساعدكم على اكتشاف مواطنالضعف والعمل على تطويرها، لا باعتبارها أحكامًا نهائية على قدراتكم أو قيمتكمالرياضية.

 

سابعًا: التحرر من الخوف اللامعقول

 

لا بد أن يكون لدى اللاعب مستوى معين من القلق أو الخوف قبل المباريات المهمة،فذلك أمر طبيعي بل وقد يكون مفيدًا أحيانًا في رفع مستوى اليقظة والاستعداد.

 

لكن لا تسمحوا لهذا الخوف بأن يتحول إلى عامل يسيطر عليكم أو يحد من قدراتكموإمكاناتكم. العبوا بشغف، واستمتعوا بالمنافسة، وثقوا بقدراتكم، وتصرفوا وكأن هذاالخوف غير موجود.

 

فالخوف الذي يعيق الأداء هو الخوف الذي نعطيه حجمًا أكبر مما يستحق.

 

ثامنًا: تركيز الانتباه

 

يجب عليكم الانتباه إلى كل ما يجري حولكم داخل الملعب، وأن تتدربوا على الحفاظ على التركيز بمستوى عالٍ طوال فترات المباراة؛ لأن التركيز يُعد أحد المتطلباتالأساسية للأداء الرياضي المتميز.

 

وتذكروا دائمًا أنكم تستقبلون خلال المباراة عددًا كبيرًا من المثيرات في الوقت نفسه،لكنكم لا تستطيعون الاستجابة لجميع هذه المثيرات بالدرجة نفسها وفي اللحظةنفسها. فالدماغ البشري لا يستطيع معالجة كل المعلومات الواردة إليه في آن واحدبالكفاءة ذاتها، وقد لا نشعر بذلك لأن هذه العمليات تتم بسرعة فائقة جدًا.

 

لذلك، إذا انشغل اللاعب بأصوات الجماهير، أو بالتفكير في الفوز أو الخسارة، أو بأيمتغير آخر بعيد عن الواجب المطلوب منه تنفيذه، فإن دماغه سيضطر إلى التنقل بينأكثر من مهمة ذهنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض جودة الأداء وظهور الهفواتوالأخطاء المؤثرة.

 

ومن هنا تأتي أهمية تركيز الانتباه على الواجب الفني والخططي المطلوب في اللحظةالراهنة، وعدم السماح للمشتتات الخارجية أو الداخلية بالتأثير في مستوى الأداء.

 

كلمة أخيرة

 

وأنتم تمثلون الأردن في هذا المحفل العالمي الكبير، تذكروا دائمًا أنكم لا تمثلونأنفسكم فقط، بل تمثلون وطنًا بأكمله يقف خلفكم بكل فخر ومحبة واعتزاز.

لقد وصلتم إلى هذه المرحلة بجهدكم وعملكم وإصراركم، وأنتم قادرون بإذن الله علىتقديم صورة مشرّفة تعكس روح النشامى وقيم الرياضة الأردنية وأصالة هذا الوطن.

 

 

قاتلوا بروح النشامى التي عهدناها بكم، واستمتعوا بالتحدي، وآمنوا بقدراتكم،وتمسكوا بأحلامكم، وابذلوا كل ما تستطيعون من أجل رفع راية الأردن عاليًا في هذاالحدث العالمي الكبير.

 

متمنيًا لكم كل التوفيق والإنجاز وتحقيق الحلم والتقدم إلى الأدوار التالية، وأن تحققواما تصبون إليه وما نصبو إليه جميعًا في هذا الوطن العزيز. وأنتم تدخلون هذا التحديالعالمي الكبير، تذكروا أن خلفكم شعبًا بأكمله يؤمن بكم ويفخر بكم وينتظر منكم أنتقدموا الصورة التي تليق بالأردن وبروح النشامى. فقاتلوا بكل ما أوتيتم من عزيمةوإصرار، واستمتعوا بالتحدي، وآمنوا بقدراتكم، وقدموا كل ما لديكم داخل الملعب،فالأوطان تُبنى بالإنجاز، والإنجاز يبدأ بالإيمان بالنفس وبالقدرة على تحقيق المستحيل.

 

أخوكم المحب لكم ولتراب هذا الوطن الغالي

 رئيس لجنة الشباب والرياضة في المجلس النيابي الثامن عشر والعميد السابقلكلية علوم الرياضة /الجامعة الأردنية

قد يعجبك ايضا