مهلا أيها الرئيس في دمشق

10

ماهر ابو طير

يخرج الرئيس الأميركي مرتين ليتحدث عن حل عبقري من حلوله المعتادة، مقترحاتدخل الدولة السورية في لبنان لوضع حد لحزب الله، ومجاهرا بأنه طرح هذا الأمر علىتل أبيب، بحيث تتولى دمشق ملف الحزب ومقاتليه.

 هذا ليس عبثا، لأننا أمام معادلة جديدة جرى تصنيعها، من خلال اعتراف الرئيسالأميركي بالنظام السوري الجديد، ذي الخلفية الجهادية السنية، والذي يراد له اليوم أنيتورط في لبنان ضد تنظيم عسكري شيعي يقاتل إسرائيل، وكأن دمشق باتت هنا وكيلاعن الاحتلال، تقاتل نيابة عنه في لبنان، وتتورط في حرب أهلية ممتدة قد تمتد آثارهاإلى المنطقة بأسرها.

وقد أعلنت دمشق الرسمية أكثر من مرة رفضها التدخل ضد حزب الله في لبنان، وهوموقف إيجابي، لكن الأزمة قد تكمن في تهيئة ظروف تجعل هذا التدخل إجباريا فينهاية المطاف، بما قد يقود المنطقة إلى كارثة دموية جديدة في بلاد الشام.

النظام السوري يواجه خطرا إذا حاول التهرب من هذه المهمة المعلنة، إذ قد يتعرضبعض رموزه للاستهداف، وفي المقابل، إذا تورط في لبنان، فقد يكون قد انتحر سياسياوعسكريا على الساحة اللبنانية، في وقت تتعرض فيه بلاده أصلا للاحتلال الإسرائيلي،وتواجه مشاريع تقسيم وضغوطا إقليمية متزايدة، ولا ينقصها فتح جبهات جديدة خارجحدودها، حتى لو كانت مدعومة ماليا.

ولا يمكن أن تتدخل الدولة السورية في لبنان بهذه البساطة ودون مقدمات، في بلدعربي عانى تاريخيا من التدخل السوري في عهد حافظ الأسد ونجله بشار. فقد يجريافتعال حادث أمني كبير داخل سورية، أو تنفيذ محاولة اغتيال تُنسب إلى حزب الله، أوافتعال حادثة أمنية على الحدود السورية اللبنانية، أو حتى تورط جهات مجهولة فيأعمال دموية ضد اللاجئين السوريين في لبنان، ثم تحميل حزب الله المسؤولية، بمايدفع دمشق الرسمية إلى التدخل العسكري.

وفي سيناريو آخر، قد تطلب الدولة اللبنانية رسميا تدخلا عسكريا سوريا عبر القنواتالرسمية، وهو احتمال إضافي ينبغي أخذه في الحسبان ضمن الحسابات الإستراتيجية،بهدف توفير غطاء قانوني وسياسي لتدخل الدولة السورية في لبنان ضد حزب اللهوقواته.

والأخطر من كل ذلك أن يحدث التدخل بعيدا عن هذه السيناريوهات، عبر تحريكالجماعات الجهادية السنية التي قاتلت إلى جانب النظام الجديد في سورية، والتييتجاوز عدد أفرادها أربعين ألف شخص، وأغلبهم من غير العرب، لدخول لبنان عبرالحدود الشرقية أو الشمالية أو حتى الجنوبية، والانخراط في قتال حزب الله وقواهالعسكرية، في إطار هدف أميركي وإسرائيلي غير معلن يتمثل في التخلص من هذهالجماعات داخل ساحة القتال اللبنانية.

ولن تحتاج إسرائيل، في هذه الحالة، إلا إلى حادثة أمنية تستهدف سنة لبنان أواللاجئين السوريين السنة فيه، مع تحميل حزب الله المسؤولية، لإثارة رد فعل تحتعنوان الدفاع عن السنة في لبنان، بينما تكون الفاتورة النهائية في مصلحة إسرائيل أولاوأخيرا.

إن من يخطط للمنطقة يسعى إلى إشعال حرب مذهبية، لأن أي تورط سوري في لبنانضد حزب الله قد يؤدي إلى تحرك العلويين في سورية ضد النظام، اصطفافا معالحزب، كما قد يدفع آلاف المقاتلين من الفصائل الشيعية العراقية إلى التسلل نحوسورية لتخفيف الضغط عن حزب الله، وعندها ستختلط الأوراق كافة، ونكون أماممعركة مدمرة يقتل فيها أبناء المنطقة بعضهم بعضا على أسس مذهبية، وتمتد منسورية إلى لبنان والعراق، وربما إلى دول أخرى.

ما يمكن قوله هنا إن على النظام السوري أن يبقى بمنأى عن حروب واشنطن وتل أبيبفي لبنان، ويكفيه العمل على إعادة سورية إلى واقعها الطبيعي، وهي مهمة شاقةومرهقة. كما ينبغي له أن يتجنب الضغوط السياسية وإغراءات الدعم الماليوالاقتصادي، دون أن نغفل أن أي تدخل سوري في لبنان سيؤدي أيضا إلى انقسام حادواقتتال بين المكونات اللبنانية، التي لا تجتمع على رأي واحد حتى في الظروف العادية،فكيف إذا تعلق الأمر بأزمة بهذا الحجم؟

أيها الرئيس في دمشق، إن هذه الوصفات ليست إلا طريقا إلى نحر سورية الجديدة،ولبنان أيضا.الغد

قد يعجبك ايضا