ماذا يعني التفاهم الأميركي الإيراني؟

54

راكان السعايدة

ملفان لم تستطع أميركا أن تفرض مناقشتهما على إيران: البرنامج الصاروخي، ودعمالحلفاء.

هذان الملفان، وبخاصة البرنامج الصاروخي، سبق أن فشلت أميركا في عهد باراكأوباما (مفاوضات عُمان 2015) في دفع إيران إلى وضعهما على طاولة التفاوض.

واقعياً، ما يقلق أميركا و”إسرائيل” أكثر من البرنامج النووي هو البرنامج الصاروخي،فهو الأهم، إن لم تكن أهميته تساوي أهمية البرنامج النووي.

وربما هذا ما يفسر حالة الصدمة والإحباط ورد الفعل الإسرائيلي الغاضب من مذكرةالتفاهم الأميركية الإيرانية، التي بدا منها أن زعيم البيت الأبيض دونالد ترمب لم يُقموزناً كبيراً لرأي رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو وحساباته الشخصية، وهوسيعمل المستحيل لافشال المفاوضات النهائية.

ترمب تطغى عليه، أحياناً، حسابات التاجر أكثر من حسابات السياسي، فإلى جانبتهديد المصالح الاقتصادية، لم ينس أن نتنياهو ورطه في الحرب على إيران، وأقنعه أننظامها سيسقط في الساعات الأولى للحرب.

هذا لم يحدث، النظام الإيراني صمد رغم تصفية قيادات سياسية وعسكرية وأمنية،على رأسها المرشد علي خامنئي، بل ردّ خلال ساعات قليلة من تلقيه الضربة الأولى بقوةعلى “إسرائيل” وكل الأصول الأميركية في دول المنطقة.

هذا فاجأ أميركا و”إسرائيل” ودول المنطقة والعالم، فلم يتخيل أحد أن إيران ستكونقادرة على الصمود ومُناددة قوة عالمية (أميركا) وأخرى إقليمية (إسرائيل).

بالنهاية، هذا الذي حدث، إيران جابهت وآلمت أميركا و”إسرائيل” وكل دولة فيها قواعدوأصول أميركية، وحتى أصول طاقوية لهذه الدول، وأقصد هنا دول الخليج.

فإيران اكتشفت أن تحت سيطرتها ما هو أقوى أو يماثل القوة النووية والصاروخية، ألاوهو مضيق هرمز، الذي وضع الدول المصدرة والمستهلكة للنفط والغاز، وكذلكسلاسل الإمداد التجاري، تحت رحمتها، وهذا سلاح نفوذ عالمي ستتقن إيران توظيفهجيداً في ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر مخاوف عالمية.

مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، التي سترغم “إسرائيل” على القبول بها، هي التعبيرالأدق عن فشل المشروع الأميركي “الإسرائيلي” الذي أراد تغيير الشرق الأوسط علىمقاسهما، على وقع تصفية قوى المقاومة والنظام الإيراني.

ببساطة شديدة، أميركا وحليفتها “إسرائيل” لم تحققا أهم أهدافهما في إيران ومنخلالها، وذلك:

أولاً: ليس فقط فشلتا في فرض ما تريدانه بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني ودعمالحلفاء في (لبنان والعراق واليمن وقطاع غزة)، فالفشل تركز أساساً في أنهما لم تنجحافي إسقاط نظام إيران واستبداله بنظام حليف، وهذا كان هدفاً معلناً.

ثانياً: لن تحقق أميركا و”إسرائيل” بشأن البرنامج النووي الكثير؛ فإيران ستفاوض عليهلتحقيق مكاسب، ولن تقدم لترمب سوى ما كانت ستقدمه له في المفاوضات التي كانتتجري قبل الحرب، وما كانت قدمته لأوباما قبل أن يأتي ترمب وينسفه. أي إن إيران لاتستعجل الوصول إلى سلاح نووي، وهي اليوم تلتقط فرصة تاريخية لإعادة تموضعهاالإقليمي والعالمي بعد حصار وعزلة قاربا خمسين عاماً.

ثالثاً: تظهر التعهدات التي قدمتها أميركا لإيران، ومن قبل مجريات الحرب، في السياقالتحليلي، أن البيت الأبيض أدرك حدود القوة، وهذا أيضاً أدركه حلفاء أميركا فيالمنطقة، على نحو يبين مدى تآكل الهيمنة الأميركية وتراجع تأثيرها.

رابعاً: الاضطرار الأميركي للخيار الدبلوماسي مع إيران بعد الفشل العسكري أدى إلىمأزق أميركي داخلي يستثمره الحزب الديمقراطي المناوئ لترمب وحزبه (الجمهوري)،ولهذا انعكاساته السلبية المتوقعة في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، ما قد يفقدترمب الهيمنة على مجلسي الكونغرس (النواب والشيوخ)، أو أحدهما على الأقل.

“إسرائيل” الخاسر الأكبر من كل ما يجري؛ فهي:

أولاً: فشلت في إسقاط نظام إيران، ومن قبل فشلت في تصفية المقاومة في غزة ولبنان،ولن يكتب لها النجاح في اليمن إن حاولت.

ثانياً: ردود فعل الأحزاب والنخب، حتى المتحالفة مع نتنياهو، على التفاهمات الأميركيةالإيرانية تؤكد مأزق الكيان وإحساسه بتعاظم التهديد الوجودي.

ثالثاً: يدرك الكيان أن عزلته العالمية تعاظمت، وأن حجم تأثيره في أميركا وأوروبايتراجع.

رابعاً: أدرك أن مشروعه الشرق أوسطي سقط، صحيح أن الشرق الأوسط يتغير، لكنليس وفقاً لحسابات واعتبارات “إسرائيل”، وأن توسيع “الاتفاق الإبراهيمي” بات صعباًإن لم يصبح مستحيلاً.

خامساً: ستلجأ قوى الكيان الحاكمة الى تسريع اجراءات ضم الضفة الغربيةوالمقدسات كجزء من التعويض عن الفشل، ومحاولة النجاة من توسع قوة المعارضةالمرجح ان تحصل على الأغلبية في انتخابات الكنيست على وقع سلسلة الاخفاقات التيمنى بها الليكود.

إيرانياً، من الواضح بالتحليل الأولي أنها حققت جملة أهداف رغم الضربات القاسيةالتي تلقتها:

الأول: اختبرت المواجهة المباشرة مع أميركا و”إسرائيل”، وهذه مسألة مهمة وغيرمسبوقة، فهي من قبل كانت تخوض المواجهات مع “إسرائيل” عبر الحلفاء، وكذلكالأمر مع أميركا في العراق، أي إن إيران اختبرت قوتها مباشرة، ووقفت على نقاط قوتهاوضعفها.

ثانياً: بالإضافة إلى الفارق في القدرات الصاروخية والمسيّرات، اختبرت إيران قدرةالنظام على الصمود حتى مع تصفية قيادات أساسية ومهمة فيه، وهذا يثبت أن النظاممبني على مؤسسات أكثر منه على أشخاص.

ثالثاً: دعم حزب الله يعطي رسالة لكل حلفاء إيران بأنها لا تتخلى عنهم ولا تتاجر بهم،بل استطاعت طهران أن تفرض معادلة عسكرية ردعية جديدة مع “إسرائيل” في لبنان.

رابعاً: إيران وإن عانت التدمير وتصفية قيادات فيها، فهي أيضاً ترى أنها بإزاء فرصةتاريخية للتخلص من الحصار والعقوبات المفروضة منذ عقود، ولن تفوّت هكذا فرصةقد لا تتوافر لسنوات طويلة قادمة.

خامساً: عبر قدراتها الصاروخية والحلفاء ومضيق هرمز، ستعيد إيران تموضعهاالعالمي، وليس الإقليمي فقط، وستستثمر في ذلك لتحقيق أكبر قدر من مصالحهاخاصة الاقتصادية لتخفيف صعوبات هذا الجانب.

أما خليجياً وعربياً:

فأولاً: تأكدت دول المنطقة أن إيران قدر لا يمكن التخلص منه، ولا بد من التفاهم معهومحاولة الوصول معاً إلى تفاهمات تضمن أمن الإقليم واستقراره.

ثانياً: تأكدت دول المنطقة أن أميركا لا تملك قدرات عسكرية خارقة لحمايتها، وهذا كانجلياً في الحرب، فأميركا عجزت عن حماية أصولها وقواعدها، وعجزت أيضاً عن حمايةهذه الدول ومقدراتها، وكانت أولويتها حماية إسرائيل، وفشلت حتى في هذه.

ثالثاً: نتيجة الحرب أثبتت لدول الخليج، أو هكذا يفترض، أن بناء اقتصادياتها وموازناتهااعتماداً على الطاقة وحدها خطر كبير، فروحها الاقتصادية والمالية بيد مضيقي هرمزوباب المندب إلى أن تجد بديلاً، وهذا صعب الآن على الأقل.

رابعاً: تأكد لهذه الدول أن أمن الخليج والمنطقة لا يمكن أن تضمنه لا أميركا ولا“إسرائيل”، وهذا لا بد أن يكون حافزاً لبناء نظام أمني إقليمي ذاتي.

إن التقييمات الأولية أعلاه، وربما ما سيتضح في مقبل الأيام، تبين أنه استراتيجياً إيرانربحت إلى حد كبير، وأميركا و”إسرائيل” خسرتا إلى حد كبير أيضاً، وأن على الدولالعربية في الإقليم أن تختط لنفسها طريقاً يحميها ويحفظ مصالحها، وأن تدركجميعها أن أمنها ومصالحها رهن تفاهمات بينها أولاً، ومع قوى الإقليم (إيران وتركيا)ثانياً.

السؤال الختامي؛ على الرغم من كل هذه التداعيات، ألا يمكن أن تفكر أميركا، ولو منباب المحاولة، أن تنقذ نفوذها عبر إعادة تشكيل نفوذ قوى الإقليم بأدوار أكبر لإيرانوتركيا و”إسرائيل”؟ وإلى أي حد يمكن أن ينجح هكذا سيناريو؟

قد يعجبك ايضا