الاستثمار في العقول لبناء الأصول
ا.د اخليف الطراونة
بين الاحتفاء بثمانين عاماً على استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، واستذكار مسيرةالدولة الأردنية التي تمضي بثبات نحو عامها المئة والعاشر، تتجدد الحاجة إلى قراءةعناصر القوة التي مكّنت الأردن من البقاء والتطور رغم محدودية الموارد وتحدياتالإقليم وتعقيدات الجغرافيا والسياسة. ولعل الحقيقة الأكثر رسوخاً في التجربة الأردنيةأن هذا الوطن لم يُبنَ على ما يملك من موارد بقدر ما بُني على ما يملك من إنسان.
فمنذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، آمنت القيادة الهاشمية بأن بناء الإنسانيسبق بناء العمران، وأن التعليم والمعرفة والوعي تشكل أهم الركائز في بناء الدولةالحديثة وترسيخ منعتها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات. ولذلك لم يكن الأردنيمجرد مستفيد من التنمية، بل كان صانعها وحامل رسالتها والمدافع عن منجزاتها فيمختلف المراحل والمحطات.
وعلى امتداد أكثر من قرن، أثبت الأردنيون أن رأس المال الحقيقي للأوطان ليس مايختزن تحت الأرض، بل ما يُبنى فوقها من عقول وسواعد وكفاءات. فمن المدارسوالجامعات إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، ومن مواقع العمل والإنتاجإلى ميادين الإبداع والابتكار، ظل الإنسان الأردني الأصل الوطني الأكثر قيمة والأعلىعائداً.
وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، تعمقت هذه الرؤية بصورة أكثروضوحاً وشمولاً. فقد أكدت الأوراق النقاشية الملكية أن المواطن الواعي والمتعلموالمبادر هو حجر الأساس في الدولة المدنية الحديثة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ منتمكين الإنسان وتعزيز مشاركته وإطلاق طاقاته الخلاقة. وهو ما جعل الإنسان الأردنيمحوراً للتحديث وغايته في آن واحد، لا مجرد أداة لتحقيقه. كما جاءت مساراتالتحديث السياسي والاقتصادي والإداري لترجمة هذه الرؤية إلى برامج عمل ومشاريعوطنية تستهدف بناء مستقبل أكثر كفاءة وتنافسية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تضع رؤية التحديث الاقتصادي رأس المال البشري فيقلب مشروعها الوطني، إدراكاً منها أن الاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة والابتكاروالمهارات النوعية أكثر مما يقوم على الموارد التقليدية. فالعالم اليوم يقيس قوةالدول بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوطين التكنولوجيا وصناعة الحلول، لا بحجم ماتمتلكه من ثروات خام فحسب.
لقد تغير مفهوم الأصول في القرن الحادي والعشرين؛ فالأصول لم تعد تقتصر علىالمصانع والطرق والمباني والاستثمارات المادية، بل أصبحت تشمل العقول المبدعةوالكفاءات المؤهلة والطاقات البشرية القادرة على تحويل التحديات إلى فرص. ومنهنا فإن كل جهد يُبذل في تطوير التعليم، وتعزيز البحث العلمي، ودعم التدريب المهنيوالتقني، وتشجيع ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي، هو استثمار مباشر في أصول الدولةومستقبلها.
إن الدول التي تتصدر مؤشرات التنافسية والابتكار لم تصل إلى ما وصلت إليه بالصدفة،وإنما لأنها جعلت المعرفة والمهارة والإبداع في صلب سياساتها التنموية. أما الدولالتي تهمل بناء قدرات أبنائها فإنها تخسر أهم أصولها الاستراتيجية مهما امتلكت منموارد وإمكانات.
واليوم، ونحن نحتفي بثمانين عاماً على الاستقلال، ونستذكر مسيرة الدولة الأردنية التيتمضي نحو عامها المئة والعاشر، ونستحضر ما تحقق خلال اليوبيل الفضي من إنجازاتومسارات تحديث، فإن الواجب الوطني يقتضي مواصلة الاستثمار في الإنسان الأردني،وتمكينه من أدوات المعرفة والإبداع والإنتاج. فالمئوية الثانية للدولة الأردنية لن تُبنىبالموارد وحدها، بل بالعقول القادرة على استشراف المستقبل وصناعته.
لقد أثبتت التجربة الأردنية، منذ التأسيس وحتى اليوم، أن الإنسان كان دائماً نقطةالبداية وعنوان النجاح وسر الاستمرار. ولذلك سيبقى الاستثمار في العقول هو الطريقالأقصر لبناء الأصول، والأكثر أمناً لتعزيز منعة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات. فالعقول هي الأصل الذي تُبنى عليه جميع الأصول، وهي الثروة التي لا تنضب،والضمانة الحقيقية لأن يبقى الأردن وطناً قوياً مستقراً مزدهراً يحمل رسالته الحضاريةبثقة واقتدار.الرأي