طبول الحرب من طهران، هل دخل الشرق الأوسط لحظة المواجهة المختلفة؟
د.ميساء المصري
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائما بإعلان رسمي، بل غالبا بإشارة خاطئة، أو ضربةمحسوبة تتحول إلى خطأ إستراتيجي، أو رهان سياسي يخرج عن السيطرة. وما تشهده اليوم ، إذا صحت المؤشرات المتداولة، قد يكون أخطر من مجرد تبادل صاروخي بين ايران وإسرائيل، إنه اختبار حقيقي لمستقبل النظام الإقليمي بأكمله. بعد الإشاراتالناعمة من الرئيس الأميركي.
الرد الإيراني المباشر أو غير المباشر بضرب إسرائيل، تكشف أن المنطقة انتقلت منمرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة بداية الانفجار. فخلال الأشهر الماضية سعت القوىالكبرى والإقليمية إلى إبقاء المواجهة تحت سقف معين، بحيث تستخدم القوة للردع لاللحسم، ولإرسال الرسائل لا لفتح الجبهات الشاملة. لكن المشكلة أن هذا النموذجأصبح يقترب من نهايته.
الرد الإيراني ليس ردا رمزيا بل ردا محدودا حتى الساعة، وقد يتصاعد إلى حرب فصل أوعدم فصل للدور اللبناني. فهل تنأى الولايات المتحدة الأميركية بنفسها عن هذا الرد. أمهل يتكرر سيناريو حرب الـ12 يوما.
إن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام معضلة إستراتيجية معقدة. فمن جهة، تريد استعادةصورة الردع التي تعرضت للاهتزاز بفعل تعدد الجبهات وتزايد التهديدات الصاروخية. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون شبيهة بالحروبالسابقة مع الفصائل الفلسطينية أو حتى مع حزب الله. فالمعادلة تغيرت، فهناكقدرات صاروخية أكبر، ومساحات اشتباك أوسع، واحتمالات تدخل إقليمي ودولي أكثرتعقيدا.
أما إيران، فهي تتحرك ضمن حسابات لا تقل تعقيدا. فطهران تدرك أن عدم الرد على أياستهداف مباشر أو غير مباشر لحلفائها يضعف شبكة النفوذ التي بنتها خلال عقود. لكنها في الوقت نفسه تعرف أن الانزلاق إلى حرب شاملة قد يهدد مكتسباتها الإقليميةويضع اقتصادها تحت ضغوط غير مسبوقة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما قدرةإيران على الرد، بل إلى أي مدى تستطيع التحكم في نتائج الرد بعد أن انطلق.
اللافت في هذه المرحلة أن الصراع لم يعد عسكريا فقط، بل أصبح صراعا على شكل الشرق الأوسط المقبل. فهناك مشروعان يتواجهان: الأول يسعى إلى فرض واقع أمنيجديد تقوده إسرائيل مدعومة بتحالفات إقليمية ودولية، والثاني يحاول الحفاظ علىتوازن ردع تقوده إيران عبر شبكة من الحلفاء المنتشرين في أكثر من ساحة.
المؤشر الأخطر ليس عدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل تآكل المسافة الفاصلة بينالحرب المحدودة والحرب الشاملة. ففي السابق كانت هناك قنوات احتواء تسمحبامتصاص الضربات المتبادلة. أما اليوم فإن سرعة الأحداث، والضغوط السياسيةالداخلية، والخطاب المتشدد لدى أطراف الصراع، كلها عوامل تجعل اتخاذ قرارالتصعيد أسهل من اتخاذ قرار التهدئة.
ولا يمكن تجاهل الدور الأميركي في هذه المعادلة. فالولايات المتحدة لا ترغب في حربإقليمية واسعة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاهإسرائيل. أو فرض الشروط الإيرانية، وهذا يعني أن أي توسع كبير للمواجهة قد يدفعواشنطن إلى الانخراط بصورة أعمق، وهو ما يرفع مستوى المخاطر على المنطقةبأسرها.
لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بالنتائج السياسية. فإذا استمرت دوامة التصعيد، فإنالمنطقة قد تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوى. لن يكون الأمرمجرد مواجهة عسكرية، بل اختبارا لمستقبل التحالفات، ولمكانة القوى الإقليمية،وللقدرة على فرض قواعد اشتباك جديدة.
ما يحدث اليوم قد يكون بداية جولة تصعيد تنتهي خلال أيام، وقد يكون أيضا الشرارة الاولى لتحول إستراتيجي أكبر. التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالبا لا تبدأ عندما يريدالجميع الحرب، بل عندما يعتقد كل طرف أنه قادر على التحكم في حدودها. وهنا تكمنالخطورة الحقيقية.
فالشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام لحظة مفصلية، إما عودة الأطراف إلى منطقالردع المتبادل واحتواء الأزمة، وإما الانزلاق إلى مواجهة تتجاوز حدود لبنان وغزةوإسرائيل لتطال بنية النظام الإقليمي كله.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من أطلق الصاروخ الأول، بل من سيكون قادراعلى إيقاف الصاروخ الأخير؟الغد