الأردن” أولاً” .. والمدارس الفكرية

10

د. زياد القاضي

ولدت فكرة هذا المقال من حوار عابر جمعني بأحد الأصدقاء حين قال لي: “أنت محافظ”، ابتسمت وأجبته مازحًا: “لا لم أتسلم هذا المنصب”، فقال: “لا أقصد المنصب بل توجهك الفكري”، عندها كان جوابي بسيطًا وواضحًا: “إذا كان هذا التوجه يخدم الوطن فأنا معه”، ومن هنا بدأت أتساءل: لماذا نصرّ أحيانًا على تصنيف الأشخاص وفق قوالب فكرية أو سياسية بينما يفترض أن يكون المعيار الحقيقي هو مقدار ما يقدمه الإنسان لوطنه؟

 

في الحياة السياسية تتردد باستمرار مصطلحات مثل المحافظ والليبرالي واليساري واليميني والقومي والوسطي والإسلامي حتى أصبحت جزءًا من الخطاب اليومي إلا أن كثيرين يتداولون هذه المفاهيم دون معرفة حقيقية بجذورها الفكرية أو مدلولاتها السياسية الأمر الذي يجعل بعض النقاشات تقوم على الانطباعات والأحكام المسبقة أكثر مما تقوم على المعرفة والثقافة السياسية.

وتعود أصول هذه التصنيفات إلى الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر عندما جلس مؤيدو السلطة ورئيس البرلمان إلى يمين القاعة فيما جلس المطالبون بالتغيير والإصلاح إلى يسارها ومنذ ذلك الحين تطورت مفاهيم اليمين واليسار وظهرت مدارس فكرية متعددة، لكل منها رؤيتها الخاصة في إدارة الدولة وتنظيم الاقتصاد وبناء المجتمع.

فالمحافظ ينطلق من أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الاجتماعية ويرى أن التغيير ينبغي أن يكون تدريجيًا ومدروسًا.

أما الليبرالي فيؤمن بالحريات الفردية وسيادة القانون وتعزيز المشاركة المدنية بينما يركز اليساري على العدالة الاجتماعية وضرورة قيام الدولة بدور فاعل في حماية الفئات الأقل دخلًا وتقليص الفوارق الاقتصادية وفي المقابل يدعو اليميني إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا وتشجيع الاستثمار وتقليل تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. أما التيار الإسلامي فيستند إلى المرجعية الإسلامية في رؤيته للإصلاح وبناء المجتمع مع اختلاف واضح بين مدارسه واجتهاداته من دولة إلى أخرى ويأتي التيار الوسطي ليحاول المزج بين هذه الرؤى بما يتناسب مع الواقع ومتطلبات كل مرحلة.

ورغم اختلاف هذه المدارس الفكرية فإنها جميعًا تبقى وسائل وليست غايات فالخلاف في الرؤى لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام أو تعصب لأن قيمة أي فكرة تقاس بقدرتها على خدمة الإنسان والوطن لا بمجرد الانتماء إليها وفي عالم يواجه تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية متسارعة تصبح الأولوية للحكمة وللبحث عن المشتركات الوطنية بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة.

لقد أثبتت تجارب الدول أن نجاحها لم يكن يومًا مرهونًا بانتمائها إلى اليمين أو اليسار أو إلى الليبرالية أو المحافظة وإنما بقدرتها على اختيار السياسات التي تحقق مصالح شعوبها وتحافظ على أمنها واستقرارها وتعزز اقتصادها وتصون كرامة مواطنيها فالوطن هو الثابت الذي لا يتغير أما الأفكار والسياسات فهي أدوات قابلة للمراجعة والتطوير كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.

وفي الأردن تتميز الحياة السياسية بخصوصية تنبع من طبيعة الدولة والمجتمع حيث تتقدم المصلحة الوطنية على أي اصطفاف فكري أو حزبي ويجتمع الأردنيون على اختلاف توجهاتهم تحت مظلة الدستور وسيادة القانون ومن هنا فإن احترام الرأي الآخر وتعزيز ثقافة الحوار وتقديم مصلحة الوطن ليست مجرد شعارات بل أسس ضرورية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وتقدمًا.

وقد أرست القيادة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني نهجًا يقوم على التحديث السياسي وتعزيز المشاركة وترسيخ قيم الديمقراطية وسيادة القانون إلى جانب الحفاظ على الثوابت الوطنية التي تشكل هوية الدولة الأردنية وفي ظل هذه الرؤية تصبح مسؤولية الجميع أن يحولوا اختلافاتهم إلى مصدر للأفكار والحلول لا إلى سبب للخلاف والانقسام.

وفي النهاية لا أجد نفسي محافظًا أو ليبراليًا أو إسلاميًا أو يساريًا بقدر ما أجد نفسي منحازًا لكل فكرة تخدم الأردن وتعزز استقراره وتحافظ على وحدته وتصنع مستقبلًا أفضل لأبنائه. فحين يكون الوطن هو البوصلة تتراجع كل التصنيفات ويبقى الانتماء الحقيقي هو العمل من أجل الأردن لأنه سيظل دائمًا الفكرة الأكبر التي تجمع الجميع.الرأي

قد يعجبك ايضا