خدعوك فقالوا: ترامب يوقف الحرب.. بل إن الحرب هي التي أوقفت واشنطن مؤقتا
د.ميساء المصري
في السياسة الدولية، عادة لا نقرأ البيانات الرسمية بحرفيتها، بل تُفكك كما تُفكك الخرائط العسكرية. فحين يخرج البيت الأبيض ليعلن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامبوجّه الجيش بعدم تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، وأنه يفضل الحل الدبلوماسي، فهلاختار السلام؟ ولماذا اختاره الآن؟.
الإجابة لا تكمن في لغة الدبلوماسية، بل في لغة المخازن العسكرية.
أميركا لا تعترف بسهولة بأنها وصلت إلى نقطة مراجعة عملياتية. لذلك تُقدَّم إعادةالتموضع دائماً على أنها مبادرة سياسية، بينما تكون في جوهرها ضرورة عسكرية. ولاتحب أن يُقال عنها إنها توقفت لأنها تحتاج إلى إعادة شحن مخازنها، بل لأنها منحتالدبلوماسية فرصة. إنها الصياغة ذاتها التي تحفظ الهيبة وماء الوجه، حتى عندماتفرض الوقائع إيقاعاً مختلفاً.
التقارير الغربية نفسها تشير إلى استهلاك غير مسبوق لمخزونات الذخائر الدقيقةومنظومات الاعتراض والصواريخ بعيدة المدى خلال العمليات ضد إيران. ولا يتعلقالأمر برقم هنا أو نسبة هناك، بل بصورة إستراتيجية أشمل، الاستمرار في القصفبالمعدل نفسه يعني استنزاف أدوات الردع الأميركية في لحظة يشهد فيها النظامالدولي أعلى درجات التوتر مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية. وهذا ليس قراراً عسكرياًبسيطاً، بل معضلة تخص الأمن القومي الأميركي برمته.
من هنا يصبح الحديث عن إفساح المجال للدبلوماسية جزءاً من إدارة الصورة أكثر منهتوصيفاً صادقا كاملاً للواقع. فالولايات المتحدة لا تريد أن يظهر للعالم أنها اضطرت إلىالتوقف، ولذلك جاءت رسائل البيت الأبيض والبنتاغون متطابقة تقريباً (لدينا القدرة،لكننا اخترنا التريث) وهي رسالة موجهة قبل كل شيء إلى الخصوم، حتى لا يُفسرالتوقف على أنه تراجع في الإرادة أو القدرة.
لكن السياسة لا تُبنى على الخطاب وحده، وإنما على حسابات الكلفة والعائد.
فالقيادة الأميركية تدرك أن أي حرب طويلة ليست مواجهة مع إيران فقط، بل مع الزمناللوجستي أيضاً. وكل يوم إضافي من العمليات يستهلك الذخائر، ويضغط على سلاسلالإمداد، ويؤثر في جاهزية القوات لمواجهة أزمات أخرى قد تنفجر في أي لحظة. لذلكفإن التوقف المؤقت ليس نهاية للحرب، بل مرحلة لإعادة ترتيبها.
ويأتي دور أهم وهو.. هل تدخل إسرائيل الحرب؟
حتى الآن، تبدو الإجابات أقرب إلى النفي منها إلى الإثبات.
فالإستراتيجية الأميركية لا تبحث عن توسيع الحرب، بل عن ضبطها وشراء الوقت حتىيحين ما تخطط له. وإدخال إسرائيل طرفاً مباشراً الآن قد ينقل الصراع من مواجهة ذاتأهداف محددة إلى حرب إقليمية مفتوحة، تتداخل فيها الحسابات السياسيةوالعقائدية والعسكرية بصورة يصعب التحكم بها. كما أن أي تحالف دولي أو إقليميتسعى واشنطن إلى بنائه سيصبح أكثر هشاشة إذا تحولت الحرب إلى معركة تُدار تحتالعنوان الإسرائيلي، لأن ذلك سيرفع الكلفة السياسية على كثير من الدول المشاركة أوالداعمة.
إضافة إلى ذلك، فإن القرار الإسرائيلي في الملفات الكبرى يبقى وثيق الارتباط بالإيقاعالأميركي. فالعلاقة بين الطرفين ليست مجرد تحالف، بل منظومة تنسيق إستراتيجيتجعل أي انخراط عسكري واسع رهناً إلى حد كبير بالحسابات الأميركية. والاستثناءالوحيد الذي قد يقلب هذه المعادلة يتمثل في تعرض إسرائيل لهجوم مباشر قديحصل، إذ إن أي ضربة مباشرة قد ترفع الأزمة فوق عتبة الردع، وتجعل الرد الإسرائيليشبه حتمي للحفاظ على صورة الردع التي بنتها طوال عقود.
ويبدو أن طهران تدرك هذه الحقيقة جيداً. لذلك فإن تجنب استهداف إسرائيل مباشرةلا يعني بالضرورة غياب القدرة، بل قد يعكس إدراكاً بأن توسيع دائرة الحرب ليس فيمصلحتها الحالية. حيث تدير الإشارات بإرسال رسائل قوة مع تجنب تجاوز الخطوطالتي تستدعي انفجاراً إقليمياً شاملاً.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة العجز الكامل سيكونقراءة متسرعة لا تقل خطأ عن الاعتقاد بأنها أوقفت الحرب بدافع إنساني. فالولاياتالمتحدة لا تزال تمتلك أكبر منظومة إسقاط قوة في العالم، وقادرة على إعادة بناءجاهزيتها وتعويض جزء كبير من استهلاكها العسكري إذا قررت ذلك. غير أن الفرق بينالقدرة والإرادة أصبح أكثر وضوحاًـ فامتلاك الوسائل لا يعني الرغبة في استخدامها بلاسقف.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالشعارات، بل بإدارة الموارد، وإعادة توزيعموازين القوة، وقراءة دقيقة لما يستطيع كل طرف تحمله في حرب استنزاف طويلة.
الخلاصة أن من يعتقد أن واشنطن اختارت الدبلوماسية حباً بالسلام يقرأ نصفالمشهد، ومن يعتقد أنها انهارت عسكرياً يقرأ نصفه الآخر. أما الصورة الكاملة فتقول إنالقوة العظمى أعادت حساباتها لأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من مكاسب التصعيد،وأنها تسعى إلى استعادة زمام المبادرة من دون الاعتراف بأن إيقاع الحرب فرض عليهامراجعة تكتيكاتها.
في العلاقات الدولية، لا تتوقف الحروب دائماً لأن السلام انتصر، بل لأن ميزان القوةيحتاج أحياناً إلى أن يلتقط أنفاسَه.الغد