الأردن على حدود شرق اوسط جديد
د.ميساء المصري
لا نشهد الآن في الإقليم مجرد دورة جديدة من التصعيد العسكري. فما يجري يمثل مواجهة إستراتيجية أعمق حول شكل النظام الإقليمي ومستقبل موازين القوة فيه. فالصراع الذي يضم الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل لم يعد محصوراً في تبادل الضربات أو في منطق الردع التقليدي، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية في المنطقة، وهي معركة ستتجاوز آثارها الأطراف المباشرة لتطال دولاً مثل الأردن، الذي يضعه موقعه الجغرافي في قلب كل تحول إقليمي كبير.
كان الجميع يتساءل عن المنتصر في المواجهات العسكرية؟ ثم مع تطور الأحداث حولنا بات الجميع يطالب بإجابات حول ماذا إذا استمر مسار التصعيد الحالي؟
إن التحول الواضح في الإستراتيجية الأميركية يشير إلى انتقال من سياسة الردع المحدود إلى حملة تهدف إلى تغيير حسابات إيران الإستراتيجية. فاستهداف القدرات العسكرية، والشبكات اللوجستية، والبنى الداعمة، لا يهدف فقط إلى إلحاق أضرار مباشرة، بل يسعى إلى تقليص قدرة طهران على ممارسة النفوذ الإقليمي والحد من فاعلية شراكاتها وحلفائها في المنطقة.
لكن التاريخ يثبت أن التفوق العسكري لا يتحول بالضرورة إلى انتصار سياسي. فالتجربتان العراقية والأفغانية تبقيان تذكيراً قوياً بأن تدمير القدرات العسكرية أسهل بكثير من تحقيق نتائج سياسية مستدامة. وكما يشير عدد من الباحثين في العلاقات الدولية، فإن الحروب الطويلة تتحول غالباً إلى اختبارات للقدرة على التحمل السياسي أكثر من كونها مجرد استعراض للقوة العسكرية.
ورغم الضغوط المتزايدة عليها، لا تزال إيران لاعباً إقليمياً رئيسياً يمتلك أدوات متعددة للتأثير. وتشمل هذه الأدوات القدرات الصاروخية، ووسائل الحرب غير المتكافئة، وأوراق الضغط البحرية، إضافة إلى شبكة من القوى الحليفة والمرتبطة بها في المنطقة. وقد اعتمدت إستراتيجية طهران تاريخياً ليس فقط على المواجهة المباشرة، بل أيضاً على خلق حالة من عدم اليقين ورفع كلفة الخيارات أمام خصومها.
وهنا تواجه واشنطن معضلة إستراتيجية معقدة، حول: كيف يمكن إضعاف القدرات الإقليمية الإيرانية دون إشعال حرب أوسع قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بأكمله؟
لذلك، فإن الصراع لا يقتصر على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية والجيوسياسية. فأمن الطاقة، وطرق التجارة البحرية، والأسواق العالمية، والتنافس بين القوى الكبرى، كلها عوامل مرتبطة بمآلات هذا الصراع. ويبقى الخليج العربي منطقة حيوية ليس فقط للولايات المتحدة وحلفائها، بل أيضاً للصين والقوى العالمية الأخرى التي تعتمد اقتصاداتها على تدفق الطاقة واستقرار طرق الإمداد.
كما يجب فهم هذا الصراع ضمن العلاقة المعقدة بين واشنطن وتل أبيب. فالنقاشات العلنية حول الخلافات بين المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين تعكس جدلاً أوسع حول مدى استعداد الولايات المتحدة للذهاب في مواجهة إيران. ورغم وجود اختلافات سياسية وإستراتيجية محتملة، فإن القضية الأعمق تتعلق بكيفية إدارة التصعيد، وهل يمكن للضغط العسكري أن يحقق أهدافاً سياسية؟ أم أن الإفراط في التصعيد قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز قدرة جميع الأطراف على السيطرة؟
إن التحدي الإستراتيجي أمام واشنطن يتمثل في تحقيق التوازن. فهي بحاجة إلى الحفاظ على المصداقية والردع، ولكن دون الدخول في حرب تستنزف مواردها، وتضعف تحالفاتها، وتمنح خصومها الدوليين فرصاً لتعزيز نفوذهم.
أما بالنسبة للأردن، فإن هذه التطورات تحمل أهمية استثنائية. فالأردن ليس طرفاً مباشراً في هذه المواجهة، لكن موقعه الجغرافي يجعله من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب إقليمي واسع. فأي تصعيد طويل الأمد قد ينعكس على أمن الطاقة، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين، والاستقرار الاقتصادي الإقليمي. كما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الإنسانية وتعقيد البيئة الأمنية والسياسية المحيطة به.
وبالتالي، فإن التساؤل الإستراتيجي الأردني لا يتعلق فقط بأن الحرب وصلت إلى حدوده، بل يتعلق بقدرة الأردن على إدارة موقعه داخل شرق أوسط متغير، حيث تتعرض التحالفات القديمة، والترتيبات الأمنية، وموازين القوى الإقليمية للاختبار.
لقد بنيت قوة الأردن تاريخياً على الاعتدال الإستراتيجي، والمرونة الدبلوماسية، والحفاظ على التوازن مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة. وفي بيئة إقليمية أكثر استقطاباً، لم تعد هذه السياسة مجرد خيار دبلوماسي، بل أصبحت عنصراً من عناصر الأمن الوطني.
لكن الاستعداد للمرحلة المقبلة يتطلب أكثر من الحذر السياسي. إنه يحتاج إلى رؤية إستراتيجية استباقية تقوم على تعزيز القدرة الاقتصادية، ورفع مستوى الجاهزية الأمنية، وتوسيع الشراكات الدبلوماسية، وفهم السيناريوهات المحتملة للمستقبل.
فقد تكون المنطقة أمام عدة مسارات محتملة منها مسار أول حول تصعيد مضبوط ينتهي بمفاوضات، بحيث يتحول الضغط العسكري إلى أداة للوصول إلى ترتيب سياسي جديد، وأظنه ضعيفا حاليا.
والمسار الثاني مواجهة طويلة تشمل أطرافاً إقليمية وقوى غير حكومية، تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار. فهل تتحمل دول المنطقة نتيجته؟
والمسار الثالث نحو حرب أوسع تعيد تشكيل التحالفات والهياكل الأمنية في الشرق الأوسط. أما المسار الرابع فهو تحول إقليمي تدريجي تظهر خلاله موازين قوى جديدة دون اندلاع حرب شاملة وحاسمة.
إن الخطر الأكبر في الإقليم يكمن في سوء التقدير. فالتاريخ يثبت أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً لأن القادة يريدون حرباً مفتوحة، بل لأنها تنشأ عندما يقلل الأطراف من حجم النتائج التي قد تترتب على خطواتهم.
يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق إستراتيجي. فالمرحلة المقبلة لن تحددها فقط الانتصارات العسكرية أو نتائج المعارك، بل قدرة الدول على إدارة حالة عدم اليقين والحفاظ على الاستقرار.
وبالنسبة للأردن، فإن الأولوية واضحة؛ فهم الواقع الإقليمي الجديد قبل أن يفرض نفسه. ففي مرحلة تتغير فيها موازين القوة وتتراجع فيها بعض المسلمات القديمة، قد تصبح المعرفة الإستراتيجية والقدرة على التكيف أهم أدوات الأمن الوطني.
فمستقبل الشرق الأوسط لن تحدده فقط الدول التي تشعل الحروب، بل أيضاً الدول التي تعرف كيف تصمد وتتكيف عندما تتغير قواعد اللعبة الإقليمية.الغد