شوارع عمان صيفاً: بين الزحام والذكاء الرقمي
رغد البطيخي
تتحول شوارع العاصمة مع كل صيف إلى ساحة اختناق مروري حاد، حيث تتلاصق المركبات وتتعطل الحركة، ليعود التساؤل المعتاد إلى الواجهة: ما السبب الحقيقي وراء هذا الاشتداد المفاجئ؟ هل هو عودة المغتربين لزيارة الأهل؟ أم العطلة الصيفيةونشاط التسوق والمناسبات؟ أم تدفق الزوار والمصطافين من الدول المجاورة؟ أم أنعدد المركبات في الشوارع بات ينمو بشكل يفوق القدرة الاستيعابية للطرق؟
تروي إحدى العاملات أن الرحلة التي كانت تستغرق نصف ساعة فقط بين المنزل والعمل ، أصبحت تتطلب ساعة أو أكثر، مما جعل التنقل اليومي عبئاً ثقيلاً ومصدراً للإرهاق .
ويوضح مواطن آخر أن الأزمة لم تعد محصورة في ساعات الذروة الصباحية والمسائية التقليديةً، بل أصبحت حالة مستمرة تتواصل حتى ساعات الليل المتأخرة.
في حين تصف إحدى السيدات المشهد بجرأة مشيرة إلى أن عدد المركبات بدا وكأنها فاق عدد السكان، حيث اختفى المشاة لصالح طوابير من السيارات المتلاصقة التي انعدمت بينها مسافات الأمان.
ويعترف أحد سائقي التاكسي باللجوء إلى اختيار الركاب بحسب الوجهة والهروب منالمناطق المزدحمة، تفادياً للتعطل وخسارة الوقت، ولتجنب مطالبة الراكب بزيادة علىالعداد.
ويرى مواطنون أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم مواكبة البنية التحتية والتنظيم لهذا الضغط، مع التأكيد على أن تدفق الزوار والمصطافين يشكل رافداً اقتصادياً وسياحياً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه، بل يتطلب تهيئة المدينة لاستقبالهم.
وتؤكد دراسة تحليليّة صادرة عن معهد الهندسة المرورية والنقل المستدام (ITDP)بالتعاون مع خبراء التخطيط الحضري، أن الاعتماد على توسيع الشوارع وإنشاء الجسور وحده يؤدي إلى ظاهرة تُعرف بـ “الطلب المبتكر” (Induced Demand)؛ حيث تمتلىء الطرق المعتادة والمطوّرة بالكامل خلال 18 إلى 36 شهراً من إنشائها نتيجة تشجيع المزيد من المواطنين على استخدام السيارات الخاصة.
وتضيف الدراسة أن المدن الشرق أوسطية الشبيهة بطبيعة عمان تشهد صيفاً زيادة مفاجئة في الكثافة المرورية تُقدر بـ 25% إلى 35% نتيجة تداخل عودة المغتربين والنشاط السياحي الاجتماعي الصيفي، وهو حجم لا يمكن لأي بنية تحتية تقليدية استيعابه دون الاعتماد على النقل الجماعي ذي السعة العالية والأنظمة الذكية.
وتكمن معالجة الأزمة في التخلي عن التوسعة التقليدية للشوارع والتركيز بدلاً من ذلك على تكامل مسارين أساسيين:
الركيزة الأولى: النقل الجماعي عالي السعة
التوسع في شبكات الباص سريع التردد وباص عمان لرفع حصة النقل العام إلى 30% بحلول 2030.
استبدال المركبات الخاصة بالحافلات (الحافلة الواحدة تسع 110 سيارات، وتخفض التأخير عند التقاطعات بنسبة 50%).
الركيزة الثانية: إدارة المرور الرقمية والذكية (ITS)
تشغيل غرف التحكم المركزية واستخدام إشارات ضوئية متكيفة بالذكاء الاصطناعي.
تحليل تدفق السير لحظياً وتعديل التوقيت تلقائياً للقضاء على فترات الانتظار غيرالمبررة.
وفي النهاية دمج النقل الجماعي الكفؤ مع التحكم الرقمي اللحظي هو السبيل الوحيد لاستيعاب الزيادة الصيفية (25% – 35%) وتحويل الزخم السياحي وحركة المغتربين إلى مكسب اقتصادي دون شلّ حركة المدينة.