العقبة .. نجاحات رغم الظروف الضاغطة
يعكس النمو في العمليات التشغيلية لشركة ميناء حاويات العقبة الأهمية الاستراتيجية لمدينة العقبة بوصفها مركزاً لوجستياً إقليمياً ودولياً؛ إذ سجل حجم المناولة زيادة خلال النصف الأول من عام 2026، رغم الظروف الأمنية الضاغطة التي شهدتها المنطقة، وما تركته من آثار مباشرة في حركة الملاحة والتجارة العالمية.
وشمل هذا النمو، بحسب بيانات شركة ميناء حاويات العقبة، حركة البضائع المستوردة إلى المملكة والمصدّرة منها، إلى جانب بضائع الترانزيت العابرة للأراضي الأردنية باتجاه دول الجوار. فقد بلغ إجمالي حجم المناولة 472680 حاوية نمطية، مقارنة بـ468062 حاوية خلال الفترة ذاتها من عام 2025، بزيادة مقدارها 4618 حاوية. كما بلغ عدد حاويات الترانزيت 60178 حاوية، بزيادة تقارب 36.5 ألف حاوية عن الفترة ذاتها من العام الماضي.
وكانت حركة الشاحنات نشطة أيضاً، إذ اقتربت من 189 ألف حركة دخول إلى الميناء وخروج منه، بزيادة قدرها 6437 حركة. وتؤكد هذه الأرقام كفاءة حركة البضائع عبر سلاسل التوريد؛ وهو أمر بالغ الأهمية للمستورد لضمان استدامة عمليات الإنتاج، وللمصدّر للالتزام ببرامج التوريد إلى الأسواق الخارجية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة؛ لأنها تعزز مصداقية المصدّر الأردني وقدرته على الوفاء بالتزاماته، رغم وقوع المملكة وسط منطقة تحيط بها النزاعات والاضطرابات الإقليمية، وهي تداعيات نجح الأردن في التعامل معها بحكمة ومرونة وكفاءة تشغيلية عالية.
ويعد الاستثمار الرأسمالي في الموانئ قراراً استراتيجياً يتجاوز أثره النتائج التشغيلية الآنية. وفي هذا السياق، عملت شركة ميناء حاويات العقبة خلال العام الماضي على تطوير إجراءات العمل، وإعادة تأهيل البنية التحتية للأرصفة، وإدخال رافعات جسرية حديثة لمناولة السفن، وتعزيز قدرات المناولة، إلى جانب تمكين الموارد البشرية.
وتهدف هذه الاستثمارات إلى رفع مستوى الجاهزية وزيادة كفاءة العمل والاستجابة لأي نمو محتمل في الطلب، لا سيما أن المملكة مقبلة على تنفيذ مشاريع استراتيجية في قطاعات المياه والطاقة والنقل والسكك الحديدية، وما ستولده هذه المشاريع من احتياجات لوجستية متنامية.
ومن المهم التأكيد أن هذه الزيادة في العمليات التشغيلية ترافقت مع الالتزام الصارم بتطبيق أعلى معايير الصحة والسلامة، جنباً إلى جنب مع مواصلة الالتزام بالاستدامة والتنمية المجتمعية. فالنجاح في إدارة المرافق الحيوية لا يقاس بحجم المناولة وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق النمو بكفاءة واستدامة، مع المحافظة على سلامة العاملين وخدمة المجتمع المحلي.
والمطلوب اليوم هو بذل مزيد من الاهتمام بهذه المرافق الحيوية والاستراتيجية بالنسبة إلى المملكة والمنطقة عموماً؛ فالعقبة تتمتع بموقع جغرافي فريد يربط بين آسيا وأفريقيا، ويمنحها قدرة كبيرة على خدمة أسواق المنطقة وتعزيز حضور الأردن على خريطة التجارة وسلاسل التوريد الدولية.
وقد بذلت شركة تطوير العقبة، الذراع الاستثمارية لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، جهوداً كبيرة لتعزيز دور العقبة في سلاسل التوريد الإقليمية وترسيخ مكانتها مركزاً لوجستياً، ومن أبرزها إنشاء قرية العقبة اللوجستية وتطويرها.
وجاء قرار الحكومة بتوسعة قرية العقبة اللوجستية في توقيت صائب، في ظل تزايد الحاجة إلى حلول تخزين متطورة ومساحات إضافية قادرة على استيعاب الاحتياجات المتنامية لعمليات النقل البحري والتخزين والخدمات اللوجستية المساندة.
إن ما تحقق حتى اليوم يشكل قاعدة قوية لمزيد من النجاحات، لكنه ليس نهاية الطريق. فالبناء على هذه الإنجازات يتطلب مواصلة الاستثمار في الموانئ والنقل والتخزين والربط بالسكك الحديدية، وتعزيز التكامل بين مختلف مكونات المنظومة اللوجستية.
العقبة لا تملك موقعاً استراتيجياً فحسب؛ بل تمتلك بنية تحتية تتطور، ومؤسسات قادرة على الإنجاز، وفرصاً استثمارية تستحق أن تكون في مقدمة اهتمام المستثمرين. ومع استمرار جهود شركة تطوير العقبة وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، يمكن للعقبة أن تتحول من بوابة الأردن البحرية إلى مركز إقليمي متكامل للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية، ووجهة واعدة للاستثمار في منطقة تبحث عن مراكز آمنة وموثوقة وقادرة على النمو رغم الأزمات.,الرأي