· الدعم التبادلي في قطاع المياه.. موازنة بين حقوق المواطن وحاجة الاقتصاد

90

المهندسة: ميسون الزعبي

يشهد قطاع المياه في الأردن خلال عام 2026 تحولات استراتيجية تهدف إلى تحقيقتوازن دقيق بين الاستدامة المالية وحماية المستهلكين، في ظل تحديات متراكمةتتعلق بارتفاع المديونية وكلف التشغيل. وتعتمد الحكومة نهجاً تدريجياً يقوم علىالاستمرار في دعم أسعار المياه جزئياً، مع تطبيق زيادات مدروسة على التعرفة، إلىجانب التركيز المكثف على تحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل الفاقد المائي باعتبارهأحد أبرز مصادر الخسائر المالية في القطاع.

تُعد مديونية سلطة المياه من أبرز التحديات، حيث تشكل نحو 12% من إجمالي الدينالعام، ويرجع ذلك إلى ارتفاع كلفة استخراج المياه، ونفقات الطاقة والتشغيل، إضافةإلى تنفيذ مشاريع رأسمالية كبرى. وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى تقليل عبءالدين من خلال تحسين كفاءة التحصيل، وخفض الفاقد، ورفع التعرفة تدريجياًلتقليص الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر البيع، دون تحميل المستهلكين أعباء مفاجئة.

وعلى الرغم من بدء تطبيق زيادات تدريجية على التعرفة، إلا أن الدعم الحكومي لا يزاليشكل ركيزة أساسية في حماية المواطنين، حيث تُباع المياه بسعر أقل بكثير من كلفتهاالحقيقية. وتستمر الحكومة في دعم الفئات ذات الاستهلاك المحدود بشكل أكبر، معتبني سياسة دعم موجهة بدلاً من الدعم الشامل، بما يضمن العدالة في توزيع الدعمواستدامة القطاع مالياً.

في موازاة ذلك، تركز الاستراتيجية الوطنية للمياه على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى،أبرزها مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه العقبة، والذي يُعد حلاً جذرياً لتعزيز التزويدالمائي وتقليل الاعتماد على المصادر الجوفية المستنزفة. كما تعمل الحكومة علىتنفيذ مشاريع لتحديث شبكات المياه وتقليل الفاقد الذي لا يزال مرتفعاً في بعضالمناطق، من خلال استخدام التقنيات الحديثة، واستبدال العدادات، وتعزيز الرقابةوضبط الاعتداءات على الشبكات.

وتولي الحكومة أهمية كبيرة لتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليل النفقات قبل اللجوءإلى رفع الأسعار، حيث تشمل الجهود استخدام الطاقة المتجددة في عمليات الضخ،وتطوير أنظمة التحكم والتحول الرقمي، إضافة إلى خفض الفاقد المائي الذي شهدتحسناً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة. ويُعد تقليل الفاقد عاملاً حاسماً في تخفيفالضغط المالي، إذ يسهم مباشرة في تقليل الحاجة إلى رفع التعرفة.

من جهة أخرى، تلعب الملاءة المالية لسلطة المياه دوراً محورياً في خفض كلفالمشاريع المستقبلية، حيث إن تحسين الوضع المالي يتيح الحصول على تمويلبشروط أفضل وفوائد أقل، ويعزز القدرة على جذب الاستثمارات والشراكات مع القطاعالخاص. كما يمكّن ذلك من تبني تقنيات أكثر كفاءة، وتقليل المخاطر التشغيلية،وتحسين التخطيط الاستثماري على المدى الطويل.

كما يرتبط استقرار القطاع بشكل مباشر بسلوك المستهلكين، إذ إن التزام المواطنينبدفع الفواتير والحد من الاعتداءات على الشبكات يسهم في تقليل الفاقد الماليوالفني، ويعزز استدامة الخدمة. وكلما ارتفع مستوى الالتزام، انخفضت الحاجة إلى رفعالتعرفة، مما يعكس علاقة طردية بين وعي المستهلك واستقرار الأسعار.

وفي إطار إدارة الموارد المائية، تركز السياسات الحالية على حماية المياه الجوفية منالاستنزاف، وتعزيز مشاريع حصاد مياه الأمطار، وتطبيق أساليب الإدارة المستدامةللطلب على المياه. كما يتم التوجه نحو استخدام مصادر غير تقليدية، مثل تحلية المياهوإعادة استخدام المياه المعالجة، لضمان استمرارية التزويد في ظل محدودية المواردالطبيعية.

وشهدت سياسة الدعم في قطاع المياه تحولاً هيكلياً نحو نموذج الدعم الموجه، الذييعتمد على مبدأ الدعم التبادلي بين القطاعات، حيث يحصل القطاع المنزلي علىالنصيب الأكبر من الدعم، في حين تتحمل القطاعات التجارية والسياحية تعرفة أعلىللمساهمة في تغطية الفجوة المالية. وفي الوقت ذاته، يتم إعطاء أولوية في تخصيصالمياه للقطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعة والتعدين،نظراً لارتفاع العائد الاقتصادي لكل متر مكعب من المياه فيها مقارنة بالقطاعاتالتقليدية.

في المحصلة، يتجه قطاع المياه في الأردن نحو نموذج متكامل يقوم على الاستدامةالمالية والكفاءة التشغيلية، من خلال مزيج من الدعم الحكومي الموجه، والرفعالتدريجي للتعرفة، وتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، مع التركيز على تقليل الفاقدوتحسين إدارة الموارد. ويهدف هذا النهج إلى ضمان أمن مائي مستدام يواكبمتطلبات التنمية الاقتصادية ويحافظ في الوقت ذاته على العدالة الاجتماعية.

قد يعجبك ايضا