على ماذا تراهن أميركا في عراق الزيدي؟

11

العقبة الاخباري- في توقيت سياسي حساس، يتقاطع فيه الداخل العراقي مع تحولاتإقليمية متسارعة، برزت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئيس الوزراء العراقيالمكلف علي فالح الزيدي، لزيارة واشنطن بوصفها إشارة سياسية تتجاوز إطارالبروتوكول الدبلوماسي، لتفتح باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة فيالعلاقات العراقيةالأميركية، وما إذا كانت بغداد مقبلة على إعادة تموضع استراتيجيداخل معادلات المنطقة.

الدعوة التي جاءت عقب اتصال هاتفي حمل تهنئة رسمية ودعماً صريحاً من “البيتالأبيض”، ترافقت مع خطاب أميركي لافت، وصف فيه ترمب الزيدي بأنه “رجل جيد”،مؤكداً أن الولايات المتحدة “معه حتى النهاية”، وهو توصيف نادر في سياق التعاطيالأميركي مع رؤساء الحكومات العراقية، الذين غالباً ما كانوا يواجهون مقاربات أكثرحذراً أو مشروطة.

هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن جملة عوامل داخلية وخارجية، تبدأ من طبيعةشكل التوازنات داخل “الإطار التنسيقي”، مروراً بالتحولات الإقليمية، خصوصاً في ظلالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما أفرزته من إعادة رسم للأدوار والنفوذ.

دعم غير تقليدي

الدعم الأميركي للزيدي يبدو مختلفاً في مضمونه وتوقيته. فواشنطن، التي طالماتعاملت مع ملف تشكيل الحكومات في العراق عبر قنوات متعددة، اختارت هذه المرةإعلان موقفها بصورة مباشرة وسريع، بل وذهبت أبعد من ذلك عبر دعوة رسمية لزيارة“البيت الأبيض”، مشروطة بتشكيل الحكومة.

هذا الانفتاح الأميركي يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية ترى في الزيديفرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع بغداد، خصوصاً في الملفات الاقتصادية والمالية، فيظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالعقوبات على بعض المصارف العراقية، واعتمادالعراق الكبير على النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

في المقابل، يبدو أن الزيدي القادم من خلفية مصرفية قد يمثل خياراً مقبولاً أميركياً،ليس فقط بسبب خبرته الفنية، بل أيضاً لقدرته المحتملة على إدارة الملفات الحساسةبعيداً من التوترات السياسية التقليدية.

توافق داخلي مشروط

داخلياً، لا يزال مشهد التكليف محاطاً بتوازنات دقيقة. فعلى رغم أن “الإطار التنسيقي”تمكن من تمرير ترشيح الزيدي، فإن غياب بعض التوقيعات البارزة عن ورقة الترشيحيعكس وجود تحفظات أو في الأقل تردد لدى بعض الأطراف.

مع ذلك، تشير مواقف لاحقة وبخاصة من “ائتلاف النصر” الذي يتزعمه رئيس وزراءالعراق السابق حيدر العبادي، إلى وجود توجه نحو دعم الزيدي، مدفوعاً جزئياًبالموقف الدولي الإيجابي الذي قد يشكل عامل ضغط باتجاه تسهيل مهمة تشكيلالحكومة.

وفي هذا السياق، تبدو دعوة واشنطن عاملاً إضافياً يعزز موقع الزيدي التفاوضي، سواءداخل “الإطار” أو مع القوى السياسية الأخرى، خصوصاً في ظل الدعوات المتزايدةلمنحه حرية أكبر في اختيار كابينته الوزارية بعيداً من المحاصصة.

في أبعاد الدعوة

يرى المحلل السياسي العراقي مصطفى الرفاعي، أن الدعوة الأميركية للزيدي تحملبعداً استراتيجياً واضحاً، فهي ليست مجرد تهنئة، بل رسالة دعم مبكر تهدف إلى تثبيتمسار سياسي معين داخل العراق.

ويضيف الرفاعي أن “واشنطن تسعى إلى استثمار لحظة التحول الحالية، وبخاصة معوجود شخصية تكنوقراطية نسبياً على رأس الحكومة، لإعادة ضبط العلاقة مع بغداد،بما يخدم مصالحها في ملفات الطاقة والاقتصاد والأمن”.

من جهته، يذهب المتخصص في العلاقات الدولية علي الساعدي إلى أن “الدعوةتعكس إدراكاً أميركياً لأهمية العراق في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التوتراتالإقليمية، إذ يمكن لبغداد أن تلعب دوراً محورياً في التوازن بين المحاور”.

ويشير الساعدي إلى أن “الولايات المتحدة قد تسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادةإدماج العراق بصورة أعمق في المنظومة الإقليمية التي تعمل على تشكيلها، وهو مايتطلب شريكاً عراقياً قادراً على المناورة”.

أما الباحث في الشأن الأمني والإقليمي محمد الإبراهيمي فيقدم قراءة أكثر حذراً، إذيرى أن “الدعم الأميركي على رغم أهميته قد يضع الزيدي أمام تحديات داخلية،وبخاصة إذا ما فسر على أنه انحياز لمحور معين”.

ويؤكد الإبراهيمي أن “نجاح الزيدي سيعتمد على قدرته في تحقيق توازن دقيق بينالانفتاح على واشنطن والحفاظ على علاقات متوازنة مع بقية الأطراف الإقليمية،خصوصاً إيران، التي لا تزال لاعباً رئيساً في الساحة العراقية”.

بين الفرص والتحديات

ولا تبدو دعوة واشنطن للزيدي حدثاً عابراً، بل هي مؤشر إلى مرحلة جديدة قد تشهدإعادة صياغة للعلاقات العراقيةالأميركية في سياق إقليمي ودولي معقد. وبينما تفتحهذه الخطوة آفاقاً لفرص سياسية واقتصادية، فإنها تضع في الوقت نفسه رئيس الوزراءالمكلف أمام اختبار صعب يكمن في كيفية الاستفادة من هذا الدعم من دون أن يفقدتوازن العراق في معادلة شديدة الحساسية ستتضح مع ملامح الحكومة المقبلة،وطبيعة قراراتها، ومدى قدرتها على تحويل الدعم الدولي إلى مكاسب حقيقية تعزز مناستقرار العراق وموقعه في المنطقة.

في ظل هذه المعطيات، تبدو دعوة “البيت الأبيض” فرصة سياسية للزيدي، لكنها فيالوقت نفسه اختبار مبكر لنهجه في إدارة العلاقات الخارجية. فالعراق، الذي يجد نفسهفي قلب صراعات إقليمية معقدة، يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة وقادرة علىتحقيق مصالحه من دون الانجرار إلى محاور متصارعة.

كما أن الانفتاح الأميركي، إذا ما تُرجم إلى خطوات عملية، قد يسهم في معالجة بعضالملفات الاقتصادية العالقة، وبخاصة ما يتعلق بالعقوبات والقيود على التحويلاتالمالية، وهو ما يشكل أولوية ملحة للحكومة المقبلة.

في المقابل، تبقى التحديات الداخلية حاضرة بقوة، بدءاً من ملف تشكيل الحكومةمروراً بالإصلاحات الاقتصادية وصولاً إلى استعادة ثقة الشارع، الذي يراقب هذهالتطورات بحذر، مترقباً ما إذا كانت ستنعكس إيجاباً على واقعه المعيشي.الاندبندنت

قد يعجبك ايضا