بين الطموح والكلفة: قراءة اقتصادية لأكبر مشاريع الأردن

11

د. رعد محمود التل

يمثل إطلاق مشروع الناقل الوطني للمياه ومشروع سكة حديد ميناء العقبة تحولا نوعياً مسار الاقتصاد الأردني، ليس بسبب حجمهما الاستثماري الكبير فقط (تزيد على 8 مليارات دولار)، بل لأنها أيضاً تعكس انتقالا تدريجيا من نموذج اقتصادي يقوم على“إدارة الاستقرار” والتعامل مع “ردة الفعل”، إلى نموذج مختلف يصنع الفعلالاقتصادي ويسعى لرفع الانتاج والطاقة الإنتاجية وكسر القيود الهيكلية التي أعاقتالنمو لعقود، وصولاً لدفع الناتج الفعلي أكثر نحو الناتج الممكن!

حتى نفهم هذا التحول بعمق أكبر، يمكن الاستعانة بنظرية “الدفعة الكبرى”، والتيتقوم على فكرة اقتصادية مهمة قوامها أن الاقتصادات النامية لا تحقق نقلة نوعية منخلال مشاريع متفرقة، بل عبر حزمة استثمارات كبيرة دافعة ومتزامنة تدفعه نحوتسريع عجلة الاقتصاد. في حالة الاقتصاد الاردني، تتجسد هذه الفكرة بوضوح، حيثيعالج مشروع الناقل الوطني قيد “ندرة المياه”، بينما تعالج سكة الحديد قيد “كلفةالنقل” واذا ما اكتملت الحلقة بمشاريع الطاقة المتجددة، فإننا نتحدث عن مشاريعحيوية ستخلق أثرا تكامليا يرفع كفاءة الاقتصاد ككل.

من زاوية العرض والطلب الكلي، يظهر الأثر المرحلي لهذه المشاريع بعدة أبعاد! ففيالمدى القصير، أي خلال سنوات التنفيذ، سيرتفع الطلب الكلي بشكل ملحوظ نتيجةالبدء بالتدفق النقدي للاستثمار وأعماله، هذا الإنفاق سيحفز قطاعات المقاولات،والخدمات الهندسية، والتمويل، والطاقة، وسيرفع الطلب على العمالة، ما يدعم النمووالتشغيل. لكن مهم الأخذ بعين الاعتبار بأن هذا الارتفاع في الطلب قد يحمل معهضغوطا تضخمية محدودة إذا لم يكن الاقتصاد قادرا على الاستجابة السريعة، خاصةفي قطاعات مثل الإنشاءات والطاقة. ومع ذلك، فإن هذه الضغوط تبقى مؤقتةبطبيعتها، لأنها مرتبطة بمرحلة التنفيذ.

في المقابل، يبدأ الأثر الأعمق بالظهور في المدى المتوسط والطويل، حيث يتحسنالعرض الكلي. فالناقل الوطني يزيد كميات المياه المتاحة، ما يساهم في تحسين الإنتاجفي قطاعات واسعة. وسكة الحديد تخفض كلف النقل وتزيد كفاءة سلاسل التوريدوتربط الإنتاج بميناء العقبة بكفاءة أعلى. هذا التحسن يدفع منحنى العرض الكلي“باتجاه زيادة الإنتاج. النتيجة الاقتصادية لهذه لذلك هي انتقال الاقتصاد من نمومدفوع بالطلب في المدى القصير، إلى نمو مدفوع بالإنتاج في المدى الطويل. وهذا هوجوهر التحول الهيكلي الذي تسعى إليه السياسات الاقتصادية الراشدة.

إلى جانب ذلك، فإن تحليل الكلفة والمنفعة ضروري لتقييم جدوى هذه المشاريع. فمن حيث الكلفة، يبلغ إجمالي كلفة مشروع الناقل الوطني نحو 5.8 مليار دولار، منها4.3 مليار كلفة رأسمالية، مع مساهمة مباشرة من الخزينة تقارب 722 مليون دولار،إضافة إلى تمويل من البنوك المحلية وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. أمامشروع سكة الحديد، فيندرج ضمن اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب 2.3 مليار دولار.

هذه الكلف تطرح تساؤلات مشروعة حول الاستدامة المالية، خاصة في ظل مستوياتالدين العام. فارتفاع الالتزامات التمويلية قد يزيد الضغط على المالية العامة، كما أنكلف التمويل والفوائد تمثل عبئا طويل الأجل. كما تبقى هناك مخاطر مرتبطة بتنفيذالمشاريع الكبرى، مثل التأخير أو تجاوز الكلف التقديرية.

لكن في المقابل، لا يمكن تقييم هذه المشاريع من زاوية الكلفة فقط، فالمنفعةالاقتصادية تتجاوز العائد المالي المباشر. في مشروع الناقل الوطني، تتمثل القيمةالأساسية في إزالة قيد المياه الذي كان يحد من التوسع الاقتصادي. أي أن العائدالحقيقي يظهر في الاستثمارات الجديدة التي ستصبح ممكنة، وفي زيادة الإنتاج فيقطاعات الصناعة والزراعة وغيرها.

بعبارة أخرى، فإن المعادلة الاقتصادية هنا تقوم على المقارنة الجوهرية بين متوسطالمنفعة (تشمل العوائد) مقابل متوسط الكلفة. فإذا أدت هذه المشاريع إلى رفع معدلالنمو الحقيقي للاقتصاد بنسب مئوية أعلى من كلفها، فستتجاوز المنافع الاقتصاديةالكلف على المدى الطويل. أما إذا بقي النمو عند مستوياته الحالية، فإن العجز السنويسيتحول إلى عبء مالي مستمر. لذلك، ورغم صعوبة الاجابة المباشرةخاصة بدونأرقام تفصيلية متاحةإلا أن طبيعة هذه المشاريع تشير إلى أنها استثمارات في البنيةالتحتية الإنتاجية، أي أنها ترفع الناتج المحتمل للاقتصاد وليس فقط الطلب المؤقت.

مع ذلك، يبقى نجاح هذه المعادلة مشروطا بعدة عوامل، أولها كفاءة التنفيذ والالتزامبالكلف التقديرية والجداول الزمنية. ثانيها القدرة على إدارة التمويل واستدامته. وثالثها، وهو الأهم، قدرة الاقتصاد على استثمار هذه البنية التحتية عبر جذباستثمارات جديدة وزيادة الإنتاج والتصدير، تمكن الاقتصاد من تحويل هذهالاستثمارات إلى نمو فعلي يرفع الإيرادات ويغطي هذه الالتزامات على المدى المتوسطوالطويل.

مجدداً، تمثل هذه المشاريع اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد الأردني على الانتقال منمرحلة الاستقرار إلى مرحلة النمو المدفوع بالانتاج. وإذا ما نجحت، فإنها ستشكل نقطةتحول تنقل الاقتصاد من ردة الفعل الى الفعل نفسه، مع اكتمال حلقة الطاقة والنقلوالمياه في العملية الانتاجية، هذه المشاريع تجسيد عملي لفكرة “الدفعة الكبرى” فيالاقتصاد، حيث تتكامل الاستثمارات الكبرى لخلق أثر اقتصادي يعكس قيمتها المضافةالعالية في الاقتصاد على النمو والتشغيل.الرأي

قد يعجبك ايضا